مباريات اليوم

أوقات الصلاة
الفجر 03:55
الظهر 12:41
العصر 04:21
المغرب 07:48
العشاء 09:28
حالة الطقس

اسعار العملات

لماذا نحن مضربون عن الطعام في سجون إسرائيل

الكاتب: مروان البرغوثي

سجن هداريم - بعض قضاء السنوات الـ 15 الأخيرة في سجن إسرائيلي، كنت شاهدا وضحية للنظام الإسرائيلي، غير الشرعي، من الاعتقال الجماعي التعسفي وسوء معاملة الأسرى الفلسطينيين. وبعد استنفاذ كل الخيارات الأخرى، قررت بأن هناك لا خيار غير مقاومة هذه الانتهاكات من خلال اللجوء للإضراب عن الطعام.

لقد قرر نحو ألف أسير فلسطيني المشاركة في هذا الإضراب عن الطعام، الذي يبدأ في اليوم الذي نحيي فيه يوم الأسير الفلسطيني. فالإضراب عن الطعام هو أكثر الطرق السلمية المتوفرة من المقاومة. وهو يلحق الألم فقط بالمشاركين فيه وبأحبائهم، على أمل أن تساعد أمعائهم الخاوية وتضحياتهم الرسالة التي تترك صداها ما وراء حدود زنازينهم الداكنة.

وقد أثبتت العقود من التجارب بأن نظام إسرائيل الاحتلالي الإستعماري العسكري غير الإنساني، يهدف الى كسر معنوية الأسرى والشعب الذي ينتمون إليه، من خلال إلحاق المعاناة الجسدية بهم، وعزلهم عن أسرهم ومجتمعهم، باستخدام إجراءات مذلة لفرض الخضوع. وعلى الرغم من هذه المعاملة، فلن نستسلم لها.

إسرائيل، القوة المحتلة، انتهكت القانون الدولي بطرق متعددة على مدار نحو 70 عاما، ومع هذا حظيت بالحصانة لأفعالها. وارتكبت انتهاكات جسيمة لمعاهدات جنيف ضد الشعب الفلسطيني والأسرى، وبضمنهم الرجال والنساء والأطفال بدون استثناء.

لقد كنت في سن الخامسة عشرة فقط عندما اعتقلت لأول مرة. وكنت في الثامنة عشرة من عمري عندما أجبرني محقق إسرائيلي على مباعدة ساقي وأنا عاري في غرفة التحقيق قبل أن يضربني على أعضائي التناسلية، حيث أغمي علي من الألم، ونجم عن وقوعي على الأرض ندبة دائمة على جبيني، وبعدها سخر مني المحقق، وهو يقول بأنني لن أتمكن من الإنجاب لأن الأشخاص مثلي ينجبون الإرهابيين والقتلة فقط.

وبعد بضعة سنوات، كنت مرة أخرى في سجن إسرائيلي، لأقود إضرابا عن الطعام، عندما ولد أول طفل لي. وبدلا من توزيع الحلوى للاحتفال بهذا الخبر، قمت بتوزيع الملح على الأسرى الآخرين. وعندما بلغ ابني الـ18، سجن بدوره وأمضى أربع سنوات في السجون الإسرائيلية.

وأكبر أطفالي الأربعة، حاليا رجل يبلغ 31 عاما. ومع هذا، فأنا ما زلت هنا، أتابع هذا النضال من أجل الحرية مع الآلاف من الاسرى، والملايين من الفلسطينيين وبدعم الكثيرين في أرجاء العالم. فما المشكلة مع هذه الغطرسة للاحتلال المضطهد وداعميه التي تجلعهم أصماء أمام هذه الحقيقة البسيطة: قيودنا ستنكسر قبلنا، لأن من الطبيعة الإنسانية الإنجذاب لنداء الحرية بغض النظر عن التكلفة.

لقد قامت إسرائيل ببناء جميع سجونها داخل حدودها عوضا عن الأراضي المحتلة. وبهذا، قامت بطريقة غير قانونية وقهرية بنقل المدنيين الفلسطينيين الى الأسر، ووظفت هذه الأوضاع لتقييد زيارات الأهالي والحاق المعاناة بالأسرى من خلال السفر الطويل في ظروف قاسية. وحولت الحقوق الأساسية، التي يكفلها القانون الدولي وبضمنها بعض تلك الحقوق التي حققتها آلام الإضرابات عن الطعام السابقة، الى إمتيازات قررت إدارة سجونها منحها إلينا أو حرماننا منها.

وعانى الأسرى والمعتقلون من التعذيب ومن المعاملة المهينة والإهمال الطبي. واستشهد البعض أثناء الاعتقال. ووفقا للإحصاءات الأخيرة لنادي الأسير الفلسطيني، فإن نحو 200 أسير فلسطيني استشهدوا منذ 1967 بسبب تلك الممارسات. ويبقى الأسرى الفلسطينيون وأسرهم هدفا رئيسيا للسياسات الإسرائيلية بالعقوبات الجماعية.

وبإضرابنا عن الطعام، نسعى الى وقف هذه الانتهاكات. ووفقا لمؤسسة الضمير، فعلى مدار العقود الخمس الأخيرة، فإن أكثر من 800,000 فلسطيني تعرضوا للأسر أو الإعتقال الإسرائيلي، بما يساوي 40 بالمئة من الذكور في الأراضي الفلسطينية. واليوم، فما زال نحو 6,500 فلسطيني يقبعون في الأسر، وبضمنهم ما تميز بتحطيم الأرقام العالمية بقضاء أكبر فترات في الإعتقال كأسرى سياسيين. وبالكاد لا توجد عائلة واحدة في فلسطين لم تتحمل المعاناة بسبب أسر أحد أو العديد من أفرادها.

فكيف يمكن تعليل هذه الظروف الراهنة التي لا تصدق؟

لقد أقامت اسرائيل نظاما قضائيا مزدوجا، شكل من الأبرتهايد القضائي الذي يوفر حصانة حقيقية للإسرائيليين الذين يرتكبون الجرائم بحق الفلسطينيين، بينما يتم تجريم الوجود والمقاومة الفلسطينية. فالمحاكم الإسرائيلية التي تدعي العدل، هي أدوات الإحتلال العسكري الاستعماري. وبحسب وزارة الخارجية الأميركية، فإن معدل إدانة الفلسطينيين في المحاكم العسكرية يصل الى نحو 90 بالمئة.

ومن بين مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين احتجزتهم اسرائيل، أطفال ونساء وبرلمانيون ونشطاء وصحفيون ومدافعون عن حقوق الإنسان وأكاديميون وشخصيات سياسية وعسكريين وعابرو سبيل وأقارب أسرى. وكل ذلك لهدف أوحد وهو دفن الطموحات المشروعة لشعب بأكمله.

ومع ذلك، أصبحت السجون الإسرائيلية المهد الدائم لحركة تقرير المصير الفلسطيني. وسيظهر هذا الإضراب الجديد عن الطعام مرة اخرى بأن الحركة الأسيرة هي البوصلة التي تقود نضالنا من أجل الحرية والكرامة، وهو الأسم الذي اخترناه لهذه الخطوة في مسيرتنا الطويلة نحو الحرية.

وحاولت اسرائيل وسمنا جميعا بالارهاب من أجل إضفاء الشرعية على انتهاكاتها، وبضمن ذلك الاعتقال التعسفي الجماعي والتعذيب والإجراءات العقابية والقيود القاسية. وبضمن جهود إسرائيل لتقويض النضال الفلسطين من أجل الحرية، قامت محكمة إسرائيلية باصدار الحكم علي بخمس مؤبدات في السجن في محكمة استعراض سياسي أدانها المراقبون الدوليون.

واسرائيل لم تكن القوة الاستعمارية والإحتلالية الأولى التي تلجأ الى مثل هذه الوسائل. فكل حركة تحرر وطني في التاريخ يمكنها تذكر اجراءات شبيهة. وهذا سبب قيام الكثير من الشعوب التي كافحت ضد الإضطهاد والاستعمار والأبرتهايد بالوقوف الى جانبنا. فالحملة الدولية لاطلاق سراح مروان البرغوثي وجميع الأسرى الفلسطينيين التي أطلقها رمز مناهضة الأبرتهايد أحمد كاثرادا وزوجتي فدوى عام 2013 من زنانة نلسون مانديلا السابقة في جزيرة روبين، حظيت بدعم 8 أشخاص من حاملي جائزة نوبل للسلام، و120 حكومة ومئات القادة والبرلمانيين والفنانين والأكاديميين في أنحاء العالم.

فدعمهم يعري إخفاق اسرائيل الأخلاقي والسياسي. فالحقوق لا يمنحها المضطهد. والحرية والكرامة هي حقوق عالمية متأصلة في الإنسانية، ليتمتع بها كل شعب وكائن بشري. والفلسطينيون ليسوا إستثناء. وفقط إنهاء الاحتلال سينهي هذا الظلم ليبشر بميلاد السلام.

"نيويورك تايمز"

Loading...