أصل الحكاية

2017-07-27 09:03:13

يُفترض أن تكون معركة البوابات الالكترونية قد انتهت بإزالة مسبباتها، وقد ننشغل ولو بصورة أقل في معركة الكاميرات أو البدائل التي ستجتهد عقول كثيرة في صياغتها، لتكون بمنأى عن ردود الفعل التي أحدثتها البوابات.

ولأن الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال، يستوجب إستخلاص العبر من الوقائع، سلبية كانت ام إيجابية، فمعركة الأقصى الأخيرة التي سميت بمعركة البوابات، مليئة بالدروس وتمتلك مؤهلا موضوعيا للبناء عليها، وإن لم يستفد من دروسها فقد تكون سطراً في صفحة من كتاب يوضع على الرف..

الدرس الأول وعنوانه الناس، وأول جملة في هذا الدرس كتبت بعد سنتين من سقوط المسجد مع القدس مع الضفة الغربية وغزة في قبضة الاحتلال ، أيامها استخدم الجنون لإزالة المسجد من الوجود بفعل حريق كاد يأكل المسجد برمته، ويحوله طللا دارسا لولا هبة المقدسيين آنذاك، إذ أطفئوا الحريق في مهده ولم يكن بين أيديهم سوى أواني ماء الشرب وأغطية الأسرة والاجساد. تم انقاذ المسجد آنذاك وبطل الابطال في الحكاية كلها هم الناس الذين ما ان رأوا اللهب يندلع من داخل المسجد حتى خفوا اليه دون انتظار تعليمات من أحد، ولا ترقب وصول جيوش للانقاذ ، فكانوا هم الجيش القادر والفعال.

وفي كل مرة كان الأقصى ينتهك، كان الناس يعيدون الاعتبار لشرفه الذي هو شرفهم، وكان الناس دائما ينتصرون.

الدرس الثاني: يوم اندلعت هبة الأقصى الجديدة، امتلأت ساحات الوطن بالمتضامنين مع الطليعة المقدسية، المرابطة وراء باب الأسباط، المسيحي قبل المسلم، والغني مع الفقير، ذوو الأسرى والشهداء، كلهم في صف واحد يقول للعالم بأبلغ لغة ... اننا ندافع عن قضية وطن، قضية حرية واستقلال، الأقصى أحد عناوينه والقدس مصدر الاشعاع الروحي ، والثقافي والحضاري لشعب لن يرضى عن الحرية والاستقلال بديلا.

الخليل قطعة من القدس، وبيت لحم ونابلس وكل مكان رفع صوته عاليا استنكارا للاعتداء على الأقصى، هو جزء من معركة الحرية، وبما حدث في فلسطين والعالم وجه رسالة لإسرائيل ، نحن لا نقف مع طائفة أو دين بل نقف مع شعب بقي دون سائر خلق الله محتلا ومظلوما ومقهوراً.

الفلسطينيون يعتزون بدينهم ولكنهم ابدا ما فكروا يوما باستبدال الكفاح من اجل الحرية والاستقلال، بمحتوى طائفي رأينا كم دمر في عالمنا وكم سيدمر لو استمر.

الدرس الثالث: كيف كان الحوار قبل هبة الأقصى وموقعة البوابات والصلاة وراء باب الأسباط، وهذا أمر علينا تذكره وعدم نسيانه ، بضعة امتار مكعبة من ماء محلّى يباع للفلسطينيين بديلا عن الأنهار العذبة التي تجري تحت ارضهم وتشفط لتذهب الى المستوطنات لإرواء الحدائق وغسيل السيارات، وكمية من الكهرباء تباع بسعر معقول كي ينتظم التيار في جنين، ونقاش في المجلس الوزاري المصغر حول كم شبر يسمح لأهل قلقيلية للبناء عليه فوق ارضهم ، وصفقة اسماها الرئيس ترامب بصفقة القرن لم تعرض بعد وقد تعرض بعد ان تستكمل صفقة الجغرافيا، حيث الكنيست يواصل التشريع للضم والاستيطان.

هكذا كان الحديث، وقد مُحيَ في لحظة واحدة وعلى لهيب معركة البوابات.

الدرس الرابع: لم يعد حل القضية الفلسطينية بالتجزئة والمفرق مجديا، ولو على صعيد التهدئة ومنع الانفجار، فالتعامل مع هذه القضية الكبرى والمفصلية بالقطعة، انتج حروبا وانتفاضات وهبات مضمونها واحد وعناوينها متعددة. تجزئة الحلول أو إدارة الازمات بالقطعة ادامت الصراع وزادته تعقيدا، لم يعد محصورا في دائرة جغرافية ضيقة بل امتد لتتورط الشعوب والمجتمعات جميعا في تفاعلاته وعصفه وتأثيراته، وكلما أمعن الذين يتصدون للمبادرات والحلول في تفادي الجذور ومعالجة القشور، فلا وعد لهذا الذي يجري سوى الدم .

في حال كالذي نحن فيه الان لا يصح القول ان هنالك درسا أخيرا، ذلك ان عجلة الصراع ما دامت تدور على مدى ثلاثة ارباع القرن، فالوقائع تتوالى والدروس تتكاثر والأمن والأمان يبتعدان ليس عن الفلسطينيين وحدهم وانما عن الإسرائيليين أيضا وباقي شعوب المنطقة مهما ابتعدت جغرافيتهم.

الفلسطينيون الذين هم غالبا وقود هذا الصراع المستمر والمتعاظم، كانوا الأعقل من بين كل اطراف المعادلة، فهم من قرأ المعادلة الدولية وتعاطوا بإيجابية معها، وإن جاز لنا أن نعتمد مصطلح صفقة القرن، فإن الذي قدمها وبادر بها هم الفلسطينيون. لقد تنازلوا واقتنعوا بما تعطيهم إياه معادلة العالم، وقبلوا كيانا أصغر بكثير مما يحق لهم ، وأقاموا سلطة على أرض ممزقة لعلهم ينطلقون منها الى دولة أو ما يشبهها، وأسندوا ظهرهم للحائط، ورغم ذلك فالخصم يريد المزيد او لعله يريد الحائط بما أمامه ووراءه، وبعد كل هذا وعلى وهج كل هذه الدروس يتعين على الإسرائيلي، مستوطن الطائرة والدبابة، ان يعي الحقائق كما هي فيقلع عن الوهم المكلف برؤية الفلسطينيين يذعنون ويستسلمون. ولو قرأ جيدا كل ما مر بهم وكيف تعاملوا معه، لسارع هو إلى مبادرة يحصل الفلسطيني من خلالها على حريته واستقلاله ويذهب من أي مكان الى القدس، دون التقيد بتعليمات الشرطة وامزجة الواقفين على الحواجز ونزوات المستوطنين.

لم تكن الحكاية ولن تكون حكاية بوابات الكترونية وكاميرات ذكية، لأن اصل الحكاية كرامة مهدرة وحق منتهك.