خزانة مليئة بالجثث

2017-08-28 11:51:59

عارف حجاوي- صحفي وكاتب

أنظر بفرح إلى قلم الحبر الجاف الذي استهلكته حتى النهاية وهبط الحبر في داخل أنبوبته حتى القاع، وأرميه في سلة المهملات وأنا في منتهى السعادة. كيف لا، وهو القلم الذي انتفعت بكل ما فيه، بعد مئة قلم سبقته ضاعت كلها مني وهي في مقتبل شبابها. ما أكثر التبذير في هذا العالم! وأمسك قلماً جديداً وأبتهل قبل أن أكتب به ابتهالاً: رب ضع كل العراقيل الممكنة في طريق هذا القلم إن خطر بباله أن يكتب شيئاً عن اللغة والنحو والصرف.

قد أفنيت من العمر سنوات كثيرة وأنا أفرغ غيظي من تعقيدات مفتعلة في لغتنا العربية بنشر كتب في النحو والصرف. وقد آن لهذا الفارس أن يترجل. آن لهذا القلم أن ينصرف تماماً عن الكتابة "عن" اللغة، وأن يكتب كل شيء آخر مستعملاً هذه اللغة، اللغة العربية، التي أحبها مثلما أحب أمي وأبي. 
لكن دعائي لم يستجب. 

بدأت مصيبتنا بالخليل بن أحمد الفراهيدي. فهذا رجل رياضي. كتب معجمه المشهور "العين" بحسب معادلة رياضية، إذ رصد تقاليب الحروف فنفى منها المهمل وأخذ المستعمل. كان يعيش في عصر رياضي، ففي زمنه (وزمن تلميذه سيبويه) قاس العرب محيط الكرة الأرضية. وفي ذلك الزمن أعطى العرب العالم اللوغاريتمات (الكلمة مشتقة من اسم الخوارزمي)، وأعطوه المادة التي درستها في مدرستك الأجنبية باسم "ألجيبرا" وقد اخترعها الرجل نفسه في كتابه "الجبر والمقابلة". وأستطرد هنا فأقول لك إن أساريري نطقت بالبِشر وأنا أقرأ كتاب بول بارسونز "مئة فتح علمي"..

فقبل أن يحدثني بارسونز عن غاليليو وكوبرنيكس قرر أن العرب في عصر الخوارزمي وضعوا الأساس الأول للتفكير العلمي الصحيح (انتبه: لم يقل الإغريق بل قال العرب)، وأزيدك أن بارسونز قال ذلك عن العرب في الصفحة الأولى من كتابه. كانت تجتاج تلك البغداد حمَّى الرياضيات، ترجمت إقليدس واستوعبت علوم اليونان، ومضت تضع كل شيء في قالب الرياضيات. وجاء أهل النحو والصرف فجذبوا اللغة العربية من قرنيها جذبة ألحقتها بالأرض. قالوا لها: ومن أنت حتى لا تقعدي في قالب رياضي؟ ألست لغة محكمة مقدسة؟ ألست مضبوطة؟ فانضبطي. اقعدي هنا ولا تتحركي. هيا قولي وراءنا (أنتِ اِعْمَيَيْتِ، تَعْمَيِيْنَ، اِعْمَيِي) فقالت: هذا ليس مني. فقالوا: يا بلهاء، هذا تصريف افعلَّ من الفعل الناقص المعتل اللام بالياء. فقالت العربية: برئت من هذا. وظلوا يضربونها بالعصا. وظلوا يقولون افعوعل حتى صاح الديك.

بكل بساطة وضع أهل الصرف ثلاثة أحرف: فاء، عين، لام تجمعهن كلمة (فعل). وقالوا للعربية اقعدي هنا. وكلما جاءتهم كلمة لا تقعد، أقعدوها بالقوة. كان إنجازاً رياضياً بارعاً. ولكن اللغة أوسع من ذلك وأجنُّ من ذلك.

علم الصرف العربي ليس بحاجة إلى إصلاح، هو علم مكتمل. هو كعلم الخيمياء، مكتمل وفاسد بالجملة. وإكرام الميت دفنه. فلماذا لم يدفن في الألف ومئتي سنة التي مضت؟ ربما لأن خزانتنا المعرفية عامرة بالجثث فلا نعرف من أين نبدأ.


ولأن دعائي لم يستجب، فإنني سأتناول جثة أخرى. لي بها صلة أحسن مما لي بعلم الصرف. فقد كنت في زمن بائد بثثت في إذاعة لندن أيام كنت أعمل بها نحواً من ثلاثين حديثاً في علم العروض، بقي منها عشرون حديثاً تفضل بعضهم فرفعها على اليوتيوب. وقد تعلمت العروض من ثلثي صفحة. فتحت معجماً كان رائجاً في زمننا اسمه "المنجد" على حرف الشين فإذا صفحة قد خصص ثلثاها فقط لأوزان الشعر. فمن هناك عرفت الموازين وتوكلت على الله، وكنت في نحو الخامسة عشرة. ولم أحتج بعد ذلك إلى شيء في علم العروض، واتَّزنت لي الأشعار. وكان إلياس فرحات الشاعر المهجر أبرع مني، فلم يعرف عن العروض شيئاً قط، ومات على ذلك مخلفاً ديواناً كبيراً موزوناً أحسن وزن.

فإذا عرفت بعد ذلك أن علم العروض لا يتسع له مجلد من ستمئة صفحة فقد عرفت ما أعنيه بكلمة "جثة". والمجرم مرة أخرى الخليل بن أحمد. لقد رسم هذا العالم الجليل والرياضي الفذ للعروض دوائر، وحشر العروض في معادلات رياضية. وكلمة إنصاف لشيخنا الجليل، أحد كبار العقول في الثقافة العربية: لقد استنبط الخليل هذا العلم استنباطاً، وقنن الأوزان تقنيناً جميلاً، لست أشك في ذلك طرفة عين. لكنه قنن كثيراً، وابتدع بدعة هي الدوائر العروضية وفيها المهمل والمستعمل، بالضبط كما فعل في كلمات اللغة في كتاب "العين".

هذا رجل يحب الابتداع ولا يسلِّم بما هو موجود. قد رأى الأبجدية العتيقة (العربية والعبرية والآرامية) تسير على خطى (أبجد هوز حطي كلمن) فقال لا والله، هذا لا يكون. لا بد من أساس علمي. فرتب الأحرف بحسب صدورها من عمق الحلق حتى أطراف الشفتين بادئاً بحرف العين. وكان حقه أن يبدأ بالهاء. هو هكذا يريد لكل شيء أساساً علمياً. وجاء تلميذه الجاحظ فاشتكى شكوى مرة من علم العروض وتعقيداته. 

مشكلتنا مع اللغة العربية أننا نقدسها. السنسكريتية مقدسة، فأين هي الآن؟ لغة بائدة. ولو فتحت فيسبوكك وقرأت للمغاربة وللمصريين وللشوام وللخليجيين فقد يقع في روعك أن اللغة العربية ستصبح قريباً ثلاث لغات. ولو فتحت ما على الرف من روايات فسوف تجد أن أسطر الحوار بدأت تميل إلى العامية ميلاً شديداً، وأن كلمات عامية كثيرة أخذت مكانها في السرد نفسه. هذا تطور تاريخي لا يد لنا فيه. ولم يستطع مجمع لغوي في الدنيا أن يصنع لغة. الفصحى ستكون أجمل وأقدر على الاستمرار إذا حررناها من القوالب الرياضية.