سامحني يا أبي

2017-10-05 14:45:00

نفيق بعد فوات الأوان، وبضربة موجعة من الحياة نستيقظ على حقيقة موجعة وهي أن الفقد آت لا محالة، أن من التصقنا بهم طيلة حياتنا سوف يرحلون، أن البتر يحدث أحياناً دون أن يكون له حاجة ولكن لأنها سنة الحياة، وقانون الطبيعة، وكل هذا يجعلنا كطيور مذبوحة ترفرف في الفضاء ثم تقع على الأرض ملطخة بدمائها قبل أن تسلم الروح وتنتهي حياتها.
لم أتوقع ولم أفكر ولم أخطط ولم أدبر أن أبي سيرحل، أبي الذي عشت معه خمسة وأربعين عاماً هي سنوات عمري، لم نفترق خلالها إلا لكي نلتقي، ولم يكن الفراق على الأرض إلا لساعات وربما ليوم واحد، ثم نجد الوسيلة لكي نلتقي حتى اصبح بوصلتي ثم رحل فجأة في غمضة عين.
لم أكن أعرف انه سيرحل لأنه يكبر وأنا أكبر، هو يتقدم نحو الشيخوخة وأنا أخطو لكي أتخطى مرحلة الأربعينات من عمري، وكنت أحسبني تلك الفتاة المراهقة التي تلوذ لصدره وتحتمي بظهره، حتى أدركت الحقيقة حين أودعته ثلاجة الموتى.
الحقيقة أن أبي قد اصبح في السن التي ينتظر فيها الموت في أي لحظة، وقالوا لي أنه من الطبيعي أن يموت، هذه هي الحياة، ولكني كنت أكذب أو أتغاضى لأنني كنت اعيش معه بمشاعر الطفلة وبأنه سيبقى معي إلى الأبد، أي سذاجة تلك التي كنت فيها وأفقت منها بمرارة مريعة؟ فها هي الشعيرات البيضاء تغزو ليل شعري فيما ينحني ظهر أبي وتثقل خطوته وتتكالب الأمراض عليه، ولكني كنت اعتقد انه سيبقى قوياً وشاباً كما عرفته.
لم نهيئ أنفسنا لحتمية الفراق فتصبح الفجيعة أكبر والمصاب يضرب قلوبنا بسياط من حمم، ونأمل ألا نفيق ولكن ذلك يحدث، فما لنا أمام الموت سطوة وهو الذي ذكره الله في القرآن الكريم بأنه مصيبة وبأنه قاهر قلوب العباد.
وأحاول أن أفيق وأتحدث مع نفسي في جوف الليل: هل كنت أنانية وأنا انظر لأبي الذي يتقدم نحو اواسط السبعينات على أنه لا زال كما كان في نظري حتى آخر لحظة، حلاّل المشاكل والموجّه والمعلم والمرشد لدرجة أن مشاكل أولادي كنت اضعها بين يديه؟ شعوري الجارف بالندم يقتلني وانا اكتشف اني كنت اقوم بما يعرف بالعقوق الصامت او المجهول، فكيف كنت أثقل على قلبه المتعب بهمومي، وهل وجودي وحيدة بلا زوج -أي لا أب لأولادي- هو السبب الأكبر في تصوري المتخيل عن أبي بأنه رجل خارق يتحدى الزمان، والزمان لا يرحم؟
مشاعر كثيرة تتقاذفني وتجعل حرقة قلبي مضاعفة، وأطلب منه أن يسامحني، فكم نغفل عن كون آبائنا وأمهاتنا يصابون بالتعب ولكننا نلاحقهم بهموم أولادنا ومتاعب عملنا وكأنها ضريبة أمومتهم وأبوتهم.
ما بين الوزر والحزن تتقلب مشاعري، وأحوم كقطة حبيسة في أرجاء البيت بعد رحيله، ابحث عن حجج وأسباب لأني بقيت متعلقة به حتى النهاية، ولأنني لم انجح في خلق استقلالية لي في وجوده، والآن أرى نفسي في الحياة كريشة في مهب الريح، هل لأنني كنت الأقرب لنفسه وروحه حتى ان الجميع كان يناديني بـ "بنت أبيها"، وهل فشلي في زواجي هو السبب في بحثي الدائم عن صدر رجل هو حبي الأول، فكل فتاة بأبيها مغرمة، وكان أبي ولا زال غرامي الأول والأخير؟
ما يطفئ من نيران قلبي أنه كذلك، أنه حبي الاول والأخير، وأني قد فشلت في ادخال أي رجل إلى حياتي لأني كنت أبحث عن أبي أو صورة أبي، وظل هو رجل حياتي حتى رحل.
تلك الاعترافات التي تأخرت والتي فاضت الآن تجعل حسابنا مع النفس عسيرا، فقد كنت اسير في مشوار حياتي حتى انتصف او تجاوز النصف ولم اكن ادري ان ابي يسير نحو نهاية حياته، وانه كان ينشد الهدوء والراحة، وإن لم يبد يوما ولا حتى في لحظة ضجره من لجوئي لصدره في أتفه مشكلة، كنت الجأ له في أقل مشكلة، لأني كنت اشعر انه واحتي وظلي، ولأني كنت أركض في الحياة حتى اللهاث.
أسباب وأعذار وفي النهاية أني أفقت على الحقيقة الغائبة، والتقطت أخطائي بشوكة غرستها في قالب حياتي معه، ولكني أقسم أنه كان يتمنى أن يبقى معي حتى النهاية.
له الرحمة والعهد والوفاء حتى اللقاء.