في انتظار «شيك الشؤون»

2017-11-02 10:21:22

كانت مكالمة صباحية مفاجئة من جارة بعيدة أي تقطن في الحي المجاور، ولكن علاقة خاصة تربطني بها بسبب أنها تشتهر بتربية الطيور البلدية في البيت، وقد هاتفتني على عجل في الصباح لتخبرني أنها قد قامت بذبح كل الدجاجات البلديات في قن بيتها الواسع، وبدأت ببيعهن رغم أنهن ينتجن البيض الوفير، والسبب أنها بحاجة للمال لتأخر صرف المعونة التي تقدمها وزارة الشؤون الاجتماعية للمعدمين من الفقراء والمسماة كما يطلقون عليها "شيك الشؤون".
في الحقيقة أنني سمعت كلمة أو مصطلح "شيك" أكثر من مرة، وكنت اعتقد أن كلمة "شيك" تعني المال الوفير كما نسمع في الأفلام والمسلسلات، وحيث تمر هذه الأوراق بين أيدي الأغنياء أصحاب البذلات وربطات العنق، وللأمانة أنني لم استلم في يدي شيكاً من هذه الشيكات البنكية، ولكني بت أسمعها تتردد كثيرا، فجارتي الأخرى والقريبة من بيتي سمعتها تعد صاحب سيارة شركة أنابيب الغاز والذي يطلق صفارته المزعجة وينادي باسمها لكي تدفع ثمن ثلاثة أنابيب من الغاز المنزلي قد قام بتعبئتها لها، فقد سمعتها تحلف وتقسم أنها سوف تدفع له ماله حين تستلم "الشيك"، فيما علق صاحب محل البقالة المجاور يافطة كرتونية متآكلة الأطراف وكتب فوقها بخط عربي ركيك بأن الدين ممنوع لموظفي السلطة وكذلك لمن يتقاضون شيكات الشؤون، أما الكارثة حين زارتني جارتي العجوز وحيث بلغ ابنها الخامسة والثلاثين من عمره ولم يتزوج، وقالت لي بألم ووجع أنها سوف تحتمل الجوع مع زوجها وتدخر مخصصات "الشيك" لكي تقوم بتزويج ابنها، فأملها أن تفرح بزواجه قبل أن تنتهي أيامها في الحياة، ولا مصدر دخل لديهم سوى هذا "الشيك".
وهكذا اتضحت الرؤية بالنسبة لي وفهمت أن الشيك المقصود لا يكون محررا بمبلغ مالي ضخم، فلا توجد عدة اصفار على يمين أحد الأعداد من رقم واحد إلى تسعة مثلاً، ولكنه غالبا ما يحتوي على صفرين فالمبلغ الأدنى هو 700 شيكل، والمبلغ الأعلى غالباً ما يكون 1800 شيكل، وهذا يصرف للعائلات الكبيرة العدد، وفي النهاية فإن هذا الشيك لا يسمن ولا يغني من جوع لعائلات كثيرة تنتظره بفارغ الصبر، وتضع الخطط لصرفه وللانفاق منه، وتسديد الديون بل ووضع الخطط المستقبلية للأبناء ومنها الزواج ودفع الأقساط الجامعية في حال عدم تعامل الجامعة المنتسب لها أحد الأبناء مع قانون الإعفاء من الرسوم بالنسبة لمن يعتاشون على مخصصات وزارة الشؤون الاجتماعية، وفي ظل زيادة عدد الجامعات التجارية الربحية.
ورغم أن قيمة هذا الشيك ليست كبيرة ولكنه يعد ثروة لآلاف الأسر، وقد أحزنني ومزق نياط قلبي الصور التي التقطت لبعض المسنين والذين ناموا في العراء وافترشوا الأرض أمام أحد البنوك لكي يلحقوا بالدور في الصباح الباكر بمجرد أن يفتح البنك أبوابه، وذلك بعد أن تأخر موعد صرف الشيكات والتي تصرف عادة كل ثلاثة أشهر، ولكن هذه المرة تأخر أكثر من شهر ونصف.
المنظر كان محزنا بصورة لا توصف، وكذلك الجموع التي تكاثرت في الصباح أمام شبابيك الصرف، وهكذا نكتشف أننا أمام جياع مستترين لا تسترهم سوى مبالغ هزيلة وصغيرة هي هذه المخصصات وبأن هؤلاء الناس بحاجة لإعادة النظر في حياتهم، فليس هذا المبلغ فقط هو الذي يضمن لهم حياة كريمة، فهم يتسلمون هذا المبلغ ليقوموا بتسديد الديون غالباً ولكي يبدؤوا بمسلسل جديد من الديون، كما أن العائلات التي يوجد بها أبناء في سن الشباب يجب أن تخصص لهم برامج انمائية لتقديم العمل المناسب لقدراتهم وطاقتهم، وعدم تحويلهم لعبء على الوالدين الذين بلغوا من العمر عتياً كما حدث مع جارتي المسنة والتي لا تشتري الدواء لعلاج آلام مفاصلها لكي تدخر قيمة "الشيك" علها تفرح بزواج ابنها الذي بلغ سن الزواج.
هذه المخصصات يجب ألا تتأخر، ويجب ان تأخذ مسارها وطريقها الصحيح والأفضل لو كانت شهرية وليست كل ثلاثة أشهر، لأن الناس الذين يتقاضونها يتعرضون للذل والمساومة لدرجة ان فرطت جارتي البعيدة بدجاجاتها العزيزات بسبب تأخر صرف "شيك الشؤون".