أنواع من الأمهات
تنتشر مؤخراً أنشطة تربوية عديدة للأطفال على مجموعات أو صفحات خاصة على الفيس بوك، والتي تكون في العادة تحت عناوين متعددة من بينها التعليم المبكر، أو المرن أو المونتسوري وغيرها، هل على الأم فعلياً أن تكون في "عجلة دائمة" لتطبيق كل ما تشاهده من النشاطات مع أطفالها؟
في حقيقة الأمر كان هناك دوماً سؤال يراودني: لم على الأم أن تقوم بعمل أنشطة لأطفالها؟ وما الغاية من ذلك؟
بعض اطلاعي على عديد من الصفحات الخاصة بالأمومة لاحظت وجود أنواع من الأمهات:
الأم المعرفية: تقوم بتطبيق النشاطات بهدف تعليم الطفل مهارة ما، أو تجعله محاطاً من الناحية المعرفية بمجال ما، كأن يكون في حقل اللّغة أو العلوم أو الرياضيات أو البيئة وغيرها.
الأم البرستيج: أمهات أخريات يقمن بذلك كنوع من "البرستيج"، لإظهار اعتنائها واهتمامها بأطفالها، وأنها قادرة على تطبيق كل ما يظهر على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، كنوع من إثبات الذات لكونها قادرة على القيام بذلك.
الأم الممتعة: في حين هناك نوع آخر، بعض الأمهات تجد في مشاركتها لأطفالها نوعاً من التسلية والإمتاع، هذا الصنف من الإمهات قد لا يكترث لموضوع " التعلمّ والمعرفة" بقدر ما هو " التشويق" والمتعة.
الإحاطة بهذه النماذج، قد تسهل علينا كأمهات معرفة لأي نموذج ننتمي، وبهذا تصبح الإجابة منطقية على سؤال: هل على الأم أن تكون في عجلة لعمل أنشطة لأطفالها؟
إذا كانت الأم من النموذج الأول" المعرفي"؛ فإنّ المعرفة تبني بصورة تراكمية تتخللها عملية " الامتصاص" على حد تعبير ماريا منتسوري، أي - امتصاص الطفل للأفكار والمهارات- والتي لا تظهر بشكل فوري وآني بل تأخد وقتاً. هذه المعرفة لا بد أن تكون على مهلْ؛ فأثناء عملية القيام بالنشاطات علينا أن نراعي "قابلية" الطفل للاندماج والتفاعل، ومدى ملائمة النشاط لعمره، فمهما بلغ النشاط في المتعة والتشويق لا بد أن يشعر الطفل بالملل والضجر، وإذا كانت الأم تهدف إلى تعليمه مهارة أو تجعله محاطاً بمعرفة ما؛ لا بد أن تراعي ذلك بالنسبة له، حتى لا يصل لمرحلة يكره فيها عملية " التعلّم" وبهذا ينسف النشاط ذاته بنسف الغاية الأساسية في أن يحظى الطفل بكامل الاستمتاع أثناء مرحلة التعلّم.
إذا كانت الأم تنتمي لنموذج "البرستيج" قد ترهق أطفالها بهذه الأنشطة، والتي تصبح مع الوقت شيئاً روتينياً، فيبدو الأمر ضاغطاً على الطفل، ومستنزفاً لطاقته وطاقة الام في الوقت ذاته. فالتربية في أساسها لا بد أن تقوم على فكرة "الإيجابية" والتي من شروطها - خلق طفل حرّ- في قبوله ورفضه للأِشياء، في تفاعله وتعامله معها، في رؤيته واستجابته لها. وبهذا قد تؤدي الممارسة الضاغطة من قبل النشاطات إلى "قتل" الروح الحرّة في الطفل.
أما إن كانت من النموذج الثالث الذي يميل إلى "الإمتاع" فإنّ بعض الأطفال قد يجدون لذّة بالقيام يومياً بنشاط ما متنوع وحيوي في الوقت ذاته، قد يكون ذلك مرهقاً على الأم، ولكن إن وسعت طاقتها لذلك وكان أطفالها سعداء سيكون شيء جميل، وهنا ليس شرطاً أن تكون الأم على عجالة بقدر أن تختار من النشاطات ما يراعي رغبة أطفالها، ويشبع حاجتهم للامتاع.
إضافةً لذلك، كنت قد قرأت مؤخراً مقالاً حمل عنوان "متلازمة الطفل المتعجل" والذي يعرفها بأنها "حالة نفسية تصيب الطفل، الذي يجدول والداه حياته جدولة مزدحمة، بغرض التعلم الأكاديمي المتعجل، وكأن الطفل أكبر من عمره الحقيقي، متجاهلين احتياج الطفل في تلك الفترة للحرية واللعب واكتشاف الحياة بعفوية".
ويلفت المقال بأن هناك عادات انتشرت بين الأهل مؤخراً من أجل صناعة الطفل الخارق، والتي تؤدي إلى إصابته بمتلازمة الطفل المتعجل من بينها؛ أن الآباء يدفعون أبنائهم لتعلم كل شيء بصورة سريعة، فنجد الطفل ملزماً بحضور أكثر من تمرين رياضي يوميًا، دون التركيز على رياضة واحدة يحبها الطفل حتى يتقدم في تدريباتها.
بالإضافة إلى وضع الآباء للأبناء جدول حصص دراسية في المراكز التعليمية قبل المدرسة، والتي تُدرس مناهج لأعمار أكبر من الطفل الذي لم يتعد عمره السنوات الأربع، وهذا من أجل حمّى تسجيل الأبناء في مدارس أجنبية، تلك الظاهرة التي انتشرت بقوة في العالم العربي.
عدا عن لجوء الوالدين لممارسة الضغط النفسي على الطفل، "من أجل الظهور والتباهي بقدراته خاصة بعد أن أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي منصة لتصدير الإنجازات الشخصية للفرد، ومع كل خطوة يخطوها الطفل يجد عدسة الهواتف تلاحقه، وتطالبه بأن يكون على أفضل شكل حتى وإن كان هذا الشكل مزيفًا".
ويشير المقال إلى الأعراض المصاحبة للطفل عند إصابته بهذه المتلازمة من بينها، الإرهاق الدائم، والهالات السوداء حول العين، والشعور بالاكتئاب على الرغم من صِغر عمره، بالإضافة إلى القلق الدائم نظرًا لشعوره أن ما زال هناك الكثير لينجزه وإلا سيخذل والديه، وهو ما يجعله غير قادر على النوم، وعندما لا يحصل على قسط كافٍ ومريح من النوم؛ يتحول إلى طفل عصبي كثير البكاء بشكل غير واع؛ يحاول الطفل المتعجل معاقبة والديه على ما وصل إليه من حالة نفسية، ولذلك يتحول إلى طفل عنيد ومتمرد؛ رغبة منه في الهروب من تلك المتطلبات التي تفوق قدراته العمرية.
ختاماً..
ليس على الأم أن تضع نفسها في حالة من التوتر والقلق الدائم إذا لم تقم يوماً ما بأداء نشاط لأطفالها وكأن هناك مصيبة ما قد وقعت، فيمكنها أن تعوّض ذلك بأبسط الأمور، كمحاورتهم وسؤالهم عن يومهم في المدرسة، أو الحديث إليهم عن موقف وكيف يمكن لهم الاستفادة منه. وغيرها. " ودائما أذكر نفسي كأم أنه لا بد أن يكون هناك محطات استراحة تعينني على مواصلة المسير".