"ديلفري" التغيير الاجتماعي المنشود
التغيير ورَدمْ الفجوات، هي الكلمات الأكثر تداولاً اليوم في المجتمع الفلسطيني، تحديداً بعد انضمام دولة فلسطين إلى مجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، بدأت بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي رفض التمييز بين البشر، ومن ثم انتقلت الصياغات نحو معاهدات أكثر تحديداً، الحقوق ومعالجة أشكال التمييز الأخرى ومنها التمييز ضد المرأة، حلقة من حلقات صياغة اشتقاقات وتفرعات القانون الدولي الإنساني.
على الرغم من عديد الدراسات والأبحاث التي تصدَّت وبحثت في قضية المرأة والتمييز ضدها، إلا أن جميعها تقريباً، ابتعد عن تحليل واقع التمييز قياساً بهدف التغيير حيث استبدل بمصطلح التحسين والتعديل، أما الفجوات فقد ابتعدت الدراسات عن تحليل خلفياتها بالاستناد إلى الفجوات المتشكلة، في إطار مقارن بين النظريات المنصوص عليها في المرجعيات المتبناة وبين الممارسة الفعلية على الأرض وأسبابها.
لا بد من ملاحظة أن السلطة الفلسطينية قامت بتشكيل بعض الآليات اللازمة لتحقيق الرؤية المتبناة في المنطلقات النظرية، فأسست وزارة شؤون المرأة العام 2003 ضمن أهداف وسياسات، كما بادرت إلى إدماج وحدات النوع الاجتماعي في الوزارات الحكومية والبُنى الرسمية للسلطة، ووفرت لها أمكنة آمنة بوضعها على هيكلياتها الوظيفية لضمان رسوخ المفهوم في هياكل الوزارات والمحافظات وبعض الأجهزة الأمنية. معبِّرة بذلك عن تبني موقف حقوقي اتجاه مسار العدالة الاجتماعية. إلّا أن جميع ما سبق ذكره؛ لم يخدم ترسيخ وتأصيل المفهوم الحقوقي ومبادئ المواطنة والمساواة، ولم يحقق الغاية التي أنشئت الوحدات من أجلها بشكل عام دون أن نتغاضى عن استثناءات بعينها.
في خطوة أخرى بالاتجاه الصحيح، ذات صلة عُضْوية بالمصادقة على اتفاقية «سيداو»، قامت السلطة بتشكيل لجان مختصة تهدف إلى تلبية استحقاق الانضمام والتوقيع منها: لجنة مَسْح القوانين برئاسة وزارة العدل ولجنة مواءمة القوانين بمسؤولية رئاسة مجلس الوزراء، بمشاركة رمزية من المجتمع المدني، في كلا اللجنتين.
برأيي أن تشكيل اللجان المختصة واحدة من الخطوات الضرورية المطلوبة على الطريق باتجاه تحقيق التغيير المنشود. ليست جميع الآليات أو الطرق، كما لا يمكن أن تُخْتَصَر عملية التغيير وتحقيق المساواة بها. فالموضوع لا يتعلق بالقوانين فقط على أهمية القانون ودوره المحوري في صناعة التغيير إذا ما تم تطبيقه على الأرض، لأن التغيير الاجتماعي بحاجة إلى عمليات ذات خلفيات وأبعاد رؤيوية استراتيجية، من شأنها تعطيل آليات التمييز والإقصاء والسيطرة والاستلاب، لتستبدلها بسياسات وآليات أخرى مختلفة بالمضمون والشكل، تستهدف تغيير البيئة الاجتماعية والثقافية التقليدية العامة والسلوكيات الفردية لتصبح بيئة مواتية لتقبُّل مساواة المرأة ومشاركتها وحصولها على حقوقها المتساوية.
إذا، لا بد من النظر لجوهر ووظيفة اتفاقية «سيداو» باعتبارها عملية تغيير شاملة بعيداً عن عمليات مجتزأة؛ تطغى عليها تفاصيل مشهد مواءمة القوانين بمعزل عن استهدافات أخرى تستهدف تأصيل المبادئ الحقوقية بالتوازي، ترسيخ مبادئ الديمقراطية والمواطنة والمساواة وتأصيلهم في الوعي الجمعي العام. تستهدف فحص المناهج الدراسية لجهة تنقيتها من أشكال التلقين والتنميط والتمييز، رؤية إعلامية متوائمة مع مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين والمواطنات ونبذ التمييز بكافة أشكاله ومعانيه، رؤية ثقافية تنويرية ترتقي بالثقافة الديمقراطية وتُجابه الفكر التمييزي ضد الآخر المختلف وضد حقوق المرأة. تصل للمواطنين بجميع الأشكال في الحيز العام والخاص، خدمة توصيل وجبات التغيير الجذري المنشود عبر المصادقة والانضمام إلى المواثيق الدولية، «ديلفري».
ستلعب الاتفاقيات الموقعة ومنها «سيداو» دورا مهما إذا توفرت الإرادة للنظر لها كإطار معياري تغييري لتطوير وإرساء قواعد الحكم الديمقراطي، وتوظيف أمثل لموارد المجتمع البشرية وبما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة.
يجب عدم تفويت فرصة تحقيق تغيير جذري، الانتقال من معاملة قضايا المرأة كقضايا جانبية أو تكميلية أو لغايات التزيين والديكور أو الادِّعاء بالانحياز الحقوقي المعاصر، إلى العمل الممأسس لجعل الإنسان، المواطن والمواطنة، يمثلون الإجابة المفقودة لإنشاء وطن التعددية والمواطنة الذي يحترم مكوناته الاجتماعية وشرائحه، يواجه التحديات والعقبات، مجتمع عادل ومستجيب لمتطلبات تحقيق العدالة الاجتماعية.