«المختلف ـ المؤتلف»

2018-05-06 14:15:27

مقاتل فتحاوي لبناني قديم وجد نفسه معزولاً خلال إحدى معارك الحرب الأهلية في لبنان، تحصّن في غرفة ضيقة، وراح يرمي بقاذف «آر. بي. جي»، خرج سالماً، وصار أحد محرّري «فلسطين الثورة» لفترة ما، فقد السمع في اذنه اليمنى لأن الغرفة كانت ضيقة!

بعد خروجنا، علمتُ أنه تابع دراسته في الفلسفة، وفتح مكتبة، وألّف كتاباً وضع عنوانه: «المختلف ـ المؤتلف» بالعربية والفرنسية. في العربية «الخاء» مكان «الواو» وفي الفرنسية يضيفون حرفين لأوّل العبارة لينقلب المعنى.
لعبارة: مختلف ـ مؤتلف هوى في نفسي، ولكن بمعنى: ملتزم ـ مستقل. ملتزم تماماً 100% بالقضية الفلسطينية، ومستقل نوعاً ما عن منظماتها، روابطها، اتحاداتها. ربما كنتُ مع المنظمة بنسبة 90%، ومع السلطة الوطنية بنسبة 70%.

في اعتباري، أن المنظمة أكثر من مجرد حركة تحرر وطني، وبالطبع من حزب سياسي، فهي كيان سياسي للشعب، الذي تبدّد وضاع بين الأعوام 1948 ـ 1964. هذا الكيان تحوّل إلى هوية وطنية، وإلى وطن بعد أوسلو.
من العام 1964 حتى عامنا هذا، عقد برلمان المنظمة (المجلس الوطني) 23 مؤتمراً خلال نصف قرن ويزيد. لا أظن أن حركة تحرر وطني أخرى عقد مجلسها البرلماني مثل هذا العدد.

المجلس الوطني الأخير الـ23، هو أهم مؤتمراته منذ تشكيل السلطة الفلسطينية، وفي العام 1996 عُقد على عجل محفل مختلط للمجلس الوطني والمركزي واللجنة التنفيذية والمستقلين في غزة، بحضور الرئيس الأميركي بيل كلينتون، لتأكيد الالتزام باتفاقية أوسلو، والاعتراف المتبادل بين المنظمة كممثل شرعي للشعب، ودولة إسرائيل.

منذ تشكيل السلطة حرصت حركة «فتح» وفصائل المنظمة على عقد مؤتمراتها في أرض البلاد، بعد أن كانت مضطرة لعقدها في عواصم عربية، تبعاً للظروف السياسية العربية والفلسطينية المتبدلة.. صارت أرض البلاد هي «المركز».
في المركز تحولت الديمقراطية الثورية الفصائلية إلى ديمقراطية تمثيلية شعبية، مع أول برلمان منتخب في العام 1996، وكان برلماناً فتحاوياً بمشاركة فصيلين صغيرين، وقاطعت غالبية عددية للفصائل هذه الانتخابات لأنها «تقسم الشعب» ثم شاركت جميعها في انتخابات العام 2006، باستثناء حركة الجهاد الإسلامي، وكان أعضاء البرلمان في غالبيتهم ينتمون إلى حركة «حماس».

برلمان العام 1996 كان أنجح من برلمان العام 2006، في النقاش الحيوي، والتشريع، والقوننة، ووضع القانون الأساسي ـ الدستور المؤقت، بينما لم يشرّع البرلمان الثاني ولم يقونن.

بعض السبب أن خلافات المنفى لفصائل المنظمة حول عقد مؤتمرات المجلس الوطني، كانت خلافات سياسية برنامجية، تتم تسويتها في مؤتمرات لاحقة، لكن بعد تأسيس السلطة صارت اختلافاً عقائدياً، ثم صارت انقساماً سياسياً ـ جغرافياً بين شطري السلطة.

أعضاء المجلس الوطني لا يُنتخبون بالاقتراع الشعبي المباشر (للبرلمان) ولكن يُختارون توافقياً على قاعدة مثالثة: ثلث للفصائل، وآخر للمنظمات والاتحادات الشعبية، وثالث للكفاءات والمستقلين، أي كما في حديث للرسول: ثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للهواء.

حصلت نقلة مهمة في المجلس الوطني الأخير، حيث صار المجلس المركزي المصغر عن الوطني، هو قائم مقامه، مع صلاحياته في تشكيل جديد للجنة التنفيذية، أو الحكومة العليا للمنظمة.

إلى ذلك، تمّ تجديد و»تشبيب» اللجنة التنفيذية بنسبة 80% كما يقول عضو اللجنة أحمد المجدلاني، وبقي لحركة «فتح» ثلاثة أعضاء فيها، لكن للكفاءات والمستقلين ستة أعضاء، مع ترك ثلاثة شواغر لانضمام لاحق للجبهة الشعبية.
أيضاً، سيتم تعديل جذري في حكومة الوفاق الحالية، التي هي نتيجة توافق «مقلقز» مع حركة «حماس»، التي تفكر بتشكيل مجلس وطني مواز، كما سبق وفكرت فصائل في تشكيل منظمة تحرير أخرى من «جبهة الرفض» وفشلت في تحدي وحدانية «م.ت.ف» في تمثيل الشعب.

حكومة الوفاق ستصير حكومة فصائلية، أي حكومة وحدة وطنية، وإلى حين انتخابات تشريعية ثالثة تشارك فيها «حماس» يبدو أن «المركزي» قائم مقام «الوطني» سيقوم بدور «التشريعي» أيضاً؟
قاعدة «المثالثة» في عضوية «الوطني» ستغدو «مرابعة» بعد تشكيل حكومة وحدة وطنية ـ فصائلية مشكلة من «الوطني» الذي قد يكون الأخير، إلى المركزي قائم مقامه، إلى حكومة المنظمة من اللجنة التنفيذية، ثم حكومة السلطة.

على ذلك، إن قالت إسرائيل إنها فريدة الدول؛ فإن المنظمة هي فريدة ديمقراطيات حركات التحرر الوطني.

تشكلت المنظمة في زمن حركات التحرر الوطني.. والآن صارت حركات التحرر موصومة بـ «الإرهاب» مهما كان شكل مقاومتها الشعبية، والعسكرية، وحتى السياسية والدبلوماسية.

المنظمة تبقى الممثل الشرعي الوحيد للشعب، وهي ائتلافه الوطني، الذي يختلف عن باقي حركات التحرر في العالم. هي كيان سياسي للشعب، وليست مجرد حركة تحرر، أو حزب سياسي. إذا كانت إسرائيل «الديمقراطية الوحيدة» في المنطقة، فإن م.ت.ف هي الديمقراطية الفريدة بين حركات التحرر الوطني.

إلى حين تصير فلسطين دولة سيادية، ستبقى ديمقراطية الائتلاف الفصائلي، وبعدها ديمقراطية ربما أحزاب سياسية!