المغترب بين التحجر والذوبان
ما دعاني لكتابة هذا المقال وجود صنفين مرفوضين من المغتربين الذين يعيشون في المهجر (الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي). الصنف الاول هم اؤليك الذين عجزوا عن التكيف على الحياة في الدول التي هاجروا اليها، فتراهم يتصرفون ويفكرون بنفس العقلية القديمة، وكأنهم ما زالوا يعيشون في الحارات التي خرجوا منها منذ 40 عاما، حاملين معهم عاداتهم القديمة لتلك الفترة. فترى معظمهم متعصب فكريا، وبالذات دينيا، ويستعلمون هذا الاخير كواق او درع يمنعهم من الاحتكاك بالثقافة الجديدة. وفي الغالب يلجأون لدين بدائي يمنحهم الشعور بالامان.
والحقيقة ان مشكلة هؤلاء صعبة وفي نفس الوقت محزنة، فمثلا عندما يعودون لزيارة الاهل يجدون صعوبة في التكيف على السلوك والفكر الجديد في الموطن الاصلي. فالحياة توقفت عندهم عند السنة التي هاجروا فيها، وهكذا يعيشون غرباء هنا وهناك، وهذا اكبر انواع العذاب.
وفي الغالب ، فان المستوى الثقافي والعلمي لهذا النوع متواضع، فبالكاد انهوا المرحلة الابتدائية او الاعدادية، ومن هنا تأتي صعوبة اندماجهم في الحياة الثقافية، فتراهم بالرغم من مرور عشرات السنين على وجودهم في المهجر لا يجيدون لغة موطنهم الجديد، واذا اجادوها يكون بمستوى بدائي. فمثلا لا يمكن ان تراهم يقرأون جريدة او روابة بلغة البلد الجديد، ببساطة لانهم لا يفهمون النص. وتشاهدهم دائما يبحثون عن ابناء جنسهم، ليس من اجل ان يتوحدوا ويبنوا مؤسسات حضارية في المهجر تدافع عن حقوقهم وقضاياهم، بل من اجل ان يعرفوا ماذا يعمل الاخر.
اما احتكاكهم الثقافي مع سكان البلد الجديد فهو معدوم تقريبا، وهكذا يعجزوا عن التأثير غلى من حولهم وشرح القضايا العربية، والفلسطينية، والاسوأ انهم عندما يشرحون شؤون دينهم يعطون صورة سلبية عنه، وهم لا يعرفون..
الا ان اكثر انواع العذاب التي يعانوا منها هو ما يعرف باسم "صراع الاجيال"، فتراهم في نزاع شديد مع اولادهم الذين يعيشون وتربوا هناك، والذين يحملون ثقافة مزدوجة: اي يعرفون العربية وفي نفس الوقت الثقافة الغربية، مما يجعل الفروقات بينهم وبين ابائهم كبيرة. حتى ان هؤلاء الاخيرين (الاولاد) يعانون ايضا من مشاكل نفسية، ولكن لاسباب اخرى مختلفة جدا عن ابائهم، لست في ولرد الحديث عنها الان.
وفي الحقيقة يجب ان لا ننتقد او ندين هؤلاء المغتربين، وانما عنصرية المجتمع الغربي الذي همشهم واحتقرهم، مما زاد من عزلتهم.
الصنف الاخر، هم اؤلئك الذين ذابوا في المجتمع الجديد ونسوا قضاياهم الوطنية والقومية والفكر العربي، بل رفضوا مجرد زيارة الاهل وقطعوا كل الجسور مع الاصل. بل وناصبوا ثقافتهم الاصلية العداء، وتنكروا للكثير من العادات العربية الجيدة. انهم كغصن انقطع عن الشجرة الام. لهذا ترى شخصيتهم ضعيفة. ومشكلة هؤلاء الكبرى انهم ما زالوا يحملون موطنهم الاصلي في اعماقهم ولكنهم ينكرونه، فتصبح معاناتهم كبيرة، تشبه من غرس في جسمه قطعة حادة تؤلمة طيلة الوقت، ولكن يتغاضى عنها بالرغم انه ينزف من الداخل.
وفي الغالب فان المستوى الثقافي لهذا الصنف لا بأس به ، الا انهم لا يفيدون قضاياهم الوطنية والقومية، بل ربما يضرونها بنفس نسبة الصنف الاول.
ونفس الشيء يجب ان لا ندين هؤلاء بقدر ما ندين المجتمع الغربي الذي مارس ضغوط لاجبارهم على الاندماج في ثقافته والانقطاع تماما عن الاصل.
الصنف الثالث -اذا جازت تسميته- هم اولئك الذين استطاعوا ان يزاوجوا بين الثقافتين الغربية والشرقية فاغترفوا من هنا وهناك ليبنوا ثقافة جديدة تأخذ الافضل من الطرفين، فتراهم ديناميكيين، في حالة اخذ واعطاء... يأخذون الجديد فيثرون انفسهم وبالتالي يعطون مجتمعهم الجديد والقديم شيء مميز. الا ان مشكلتهم هي انهم غير مفهمومين في بلدهم الاصلي، الذي يعتقد انهم يترفعون ويرفضون ثقافتهم الاصلية، ولهذا يعانون من غربة في بلدهم الاصلي.