جَنين المخيم... شاهدٌ فزع من حلمه
على مقربة من الملعب المعشب، المعروف بملعب البيرة الجديد، أحس جَنين مخيم الأمعري أن رؤيته في الليلة الماضية قاب قفزة وبكاء من أن تُحقق، كان يمسك الحبل السري ويركل بطن أمه بشغف.
أمسك الكرة بكلتا يديه، وضعها على بعد أمتار من المرمى حيث أشار له الحكم الالتزام بالمكان الصحيح، ولم يعترض.. خطى بضع خطوات للخلف كان ينظر إلى المدرب الذي يقفز في مكانه ويشير إلى الساعة... آخر دقيقة يا...جنين، أخطف الفوز! استمر الحلم.
ووقف الجنين أخيراً عند النقطة التي يفضلها على بعد 3 خطوات من الكرة قبل ان ينطلق ويفجرها هدفاً في المرمى، محتفلاً بشارة النصر وثلاث قبلات لأمه المتواجدة على المدرجات على مقربة من خنساء الأمعري "أم ناصر" التي أهداها ست انحناءات بعدد أبناءها في سجون الاحتلال. فجأة.. فزع الجنين من حلمه، كما فزع المخيم من عربدة جنود الاحتلال المقتحمين أرجاءه بغزارة، معتلين سطوح المنازل بقناصة وجند مدججين بالحقد والسلاح.
توزع الجند في كل زقاق، كما توزع الخوف صدور الأطفال الهرعين إلى احضان أمهاتهم في عناق بحجم وطن، وطن آمن لكل حلم يغلفه دعاء وابتهال من شفاه الأم وقلبها. انهمكت الأم في ترتب أنفاسها وظلت تربت على شغف جنينها الذي تحول إلى فزع وخوف، في تلك اللحظة سُمع صوت انفجار كبير ودعوات كثيرة، قنابل الصوت والغاز لم تفارق المكان طبعاً، والجنين خرج مُكرهاً ليشاهد ما يحصل ويسجل شاهدته ببراءة وبكاء. تفجيرين على التوالي وبيت أم ناصر لم يسقط -ولو رمزياً- بل أصبح كغيره من رموز فلسطين يرفض الانصياع للظلم ويتشبث ببقايا تراب الارض وحمله ان ينهض من جديد بحرية.
الحرية تلك، كانت تختنق من غبار الانفجارين والقنابل، وقفت في البرد القارص على الحواجز المتنشرة على مداخل المدن والقرى الفلسطينية... ومن بينها جاءت سيارة الاسعاف لتحمل جنين الانفجارين ليعد ترتيب بكاءه من جديد في سرير المستشفى.