العربي الابيض

2019-02-07 13:05:00

خلال رحلة الطائرة التي اقلتني الى النرويج لم انفك عن البحث في ثنيات ذهنى عن المعلومات المخزنة في عقلي والتي حصلت عليها من هنا ومن هناك طيلة حياتي، ومن خلالها حاولت ان ارسم صورة لهذا البلد الاسكندنافي... وكفلسطيني، فان اول ما قفز الى ذهني اتفاقية اوسلو السيئة الصيت،  ثم بعد ذلك نتف من هنا وهناك ليتشكل في رأسي صورة ضبابية لارض باردة تصل فيها درجة الحرارة الى ما دون الصفر، وبلد بعيد جغرافيا ومختلف اجتماعيا، ولشعب منفتح جدا ...الا انه بيني وبين نفسي اعتبرت هذه المعلومات نمطية وغير كافية، وعاهدت نفسي ان اغوص في عمق المجتمع لاتعرف عليه.

وكان اول شيء استرعي انتباهي عندما احتككت بالسكان،  انني لم اسمعهم ابدا يلعنون او حتى يتذمرون من الطقس مهما كان قارسا، بل يتكيفون عليهم وينتصرون عليه، فتراهم يشتغلون تحت المطر ولا يتوقفون عن العمل مهما هطلت الثلوج. حتى ان هناك مثل شعبي يقول: "لا يوجد برد بل انك لم تفلح في ارتداء الملابس المناسبة". 

وشيئا وشيئا كلما طالت اقامتي اكتشفت ان الصورة التي رسمتها قبل ان تطأ قدماي هذا البلد النفطي والذي يعتبر من اغنى دول العالم، ان لم يكن اغناها على الاطلاق،  ليست دقيقة. فمثلا توقعت ان  يكون سكانها في الاغلب مدللين، والرفاهية حولتهم الى شعب كسول، استهلاكي ومترفع يشعر بالفوقية ويعيش حياة بذخ ولا يفكر بالاخرين... ولكن اكتشفت كم كانت هذه الصورة مختلفة... حقا انهم يتمتعون بمستوى حياة مرتفع وبنظام اجتماعي يكفل لهم مزايا لا تتوفر، بل لا تحلم بها اكثر شعوب العالم تقدما، فضلا عن ديمقراطية عريقة ضمنت لهم ممارسة حريات واسعة، ولكن في مقابل كل ذلك اشترطت عليهم ان يتحملوا مسؤولية هذه الحريات ويكونوا كفؤا لها.

الامثلة التي يمكن ان اسوقها كثيرة، من بينها تربيتهم للاطفال ، وجدت انهم تقريبا "انكشاريون" فيزرعون في اطفالهم ضرورة التحدي والانتصار على الظروف مهما كانت صعبة، فيخرجون مع  اولادهم لممارسة شتى انواع الرياضة كالمشي والركض والتزحلق... وغيره.

الا ان اكثر ما اثار انتباهي هو مصروف الاولاد، وجدت انهم يعطونهم بسخاء ما يحتاجونه،  اكان ماديا او معنويا، فهذا واجب مقدس على الاباء، ولكن اذا طلب الابن مصروف اضافي، مثلا رحلة الى مكان ما، عندها يشترط عليه والديه ان يعمل شيء في المقابل، كجز عشب الحديقة او ازاحة الثلج من امام المنزل او تنظيف البيت والسيارة....الخ. وخلال العطل الصيفية ونهايات الاسبوع فانه يبحث عن عمل مناسب (على قده) كتوزيع جريدة على منازل الاحياء القريبة او العمل في تنظيف مطعم او بار لعدة ساعات فقط... الخ.

تذكرت حينها مقال كتبه برفسور مصري يدرس في احد جامعات امريكيا وكيف ان ابنته عملت في تنظيف المراحيض كي تكسب ثمن الرحلة الى فرنسا والتي ستقوم بها مع زملائها في الجامعة  بمناسبة انهاء نصف الدراسة. قال في مقاله لو كنت في دولة عربية وشاهدوا ابنتي لنعتوني باسوأ الصفات.

مفاجأة اخرى لم اكن اتوقعها على الاطلاق هي ان بعض عاداتهم وتقاليدهم قريبة "ظاهريا" علينا، ولولا بشرتهم البيضاء وعيونهم الزرقاء لاعتقدت في بعض اللحظات انهم عرب. ومن بين هذه الاشياء وحدة العائلة، حيث ان الثلاثة اجيال (الجد والابناء والاحفاد) يتواصلون بين بعضهم البعض، فالجيلين الاولين (الجد والاب) يحاولان ان يطورا انفسهما واللحاق بالعصر، بالتقرب فكريا على الاولاد والاحفاد، اي تماما  على عكسنا، حيث نجبر الابناء والاحفاد على ان يتقربوا علينا ويعيشون عصر ابائنا  واجدادنا وبفضل ذلك يبقى مجتمعنا في مكانه يكرر نفسه، بدون تقدم.

اداب المائدة احد المفاحئات،  فاحد اركانها الاساسية عدم رمي ما بقي من الطعام الى النفايات، فتقوم ربة البيت في الايام القادمة بتدوير ما فضل من طعام لتخرج في اليوم التالي وجبة مختلفة... ويا ويلك من نظرات ربة البيت اذا لم تأكل كل ما وضعته في صحنك، لان ذلك يعني انها ستضطر الى رمي ما تركته في سلة الفضلات، لهذا يجب عليك ان تضع ما تعتقد انك ستأكله واذا شعرت انك في حاجة لمزيد منه، لا بأس ان تضع مرة اخرى في صحنك.

وقد يعتقد البعض انهم يعملون ذلك عن بخل، ولكن يعود لاسباب كثيرة، منها انهم لا يحبون الفخفخة، والاهم انهم لا يريدون نسيان ماضي بلدهم قبل اكتشاف النفط، حيث كانوا شعبا متواضعا، يعتمد فقط على الثروة السمكية وصناغة  الاثاث والبواخر.  

وانهارت كل الصور التي شكلتها عنه قبل وصولي عندما شاهدت احد عمداء جامغة اوسلو، وهو يركن دراجته الهوائية وينفض معطفه الواقي كي تسقط قطع الثلج التي بقيت عالقة به. لقد قاد دراجته اكثر من 6 كلم حتى وصل بها الى مركز المدينة. ليخبرني فيما بعد ان عدم استقلال سياراته يعود الى انه لا يريد ان يساهم في زيادة نسبة التلوث البيئي في مدينته، اوسلو، وكذلك من اجل ممارسة الرياضة.

وعلى ذكر الرياضة، وخاصة رياضة المشي والتزلج، فانها من احد الهوابات التي تمارس، سواء على مستوى  الافراد او العائلة، حيث تذهب معا مصطحبة معها الاولاد الصغار ليسيروا كل يوم بضعة كيلوميترات، غير عابئين بالبرد القارس والثلج المنهمر.

عند نهاية اقامتي قارنت سلوك هذا "العربي الابيض" بالدول النفطية عندنا... لا اريد ان اعدد سلبياتهم، فقط اكتفي بالقول انهم  عكسهم تماما.