القضية الفلسطينية مـن وعد بلفور إلى وعود ترامب
مُنذ ان قدم وزير خارجية بريطانيا آنذاك بلفور الأرض الفلسطينية هدية للوبي الصهيوني ليتمكن من إقامـة دولة الكيان وتجميع يهود العالم فيها، هذا الوعد الذي جاء ممن لا يملك لمن لا يستحق، توالت علينا وعلى قضيتنا المصائب تباعاً فبعد مؤتمر بازل الصهيوني والذي كان أحد أهم مخرجاته إقـامة دولة الكيان على أرض فلسطين بعد خمسين عام.
مُنذ هذا الوعد بدأت الهجرة اليهودية المُنظمة الى فلسطين تزداد لاسيما بفعل التسهيلات التي قدمتها بريطانيا بصفتها دولة الانتداب التي قامت بإصدار عدة قوانين متعاقبه وأوامر عسكرية تتعلق بملكية الأراضي في فلسطين لتسهيل عملية انتقال ملكية الأراضي للصهاينة من أجل تأسيس الدولة الموعودة على أرض فلسطين، وبعد أن ساهمت بريطانيا والحلفاء بتصدير اليهود الى فلسطين ومكنتهم من استملاك الأراضي عبر الشراء أو عن طريق عقود الاستثمار التي كانت تمكن المندوب السامي من نزع ملكية الارض من صاحبها اذا لم يوافق على تأجيرها لمستثمر من خلال تقديم المستثمر لمقترح استثمار.. - المندوب السامي الذي بدوره يقدمها لهذا المستثمر والذي هو يهودي بالأصل - استمرت هجرة اليهود الى فلسطين وتشكيل عصابات "شتيرن" والهاغانا التي أخذت تهاجم القرى
وتساند قوات الانتداب في هجومها وتنفيذ مجازرها حتى استمر ذلك الحال الى ان أعلنت بريطانيا وبعد الحرب العالمية الثانية انتهاء انتدابها على فلسطين و في 29/11/1947 صدر قرار عن الجمعية العام للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين الى دولتين عربية فلسطينية واسرائيلية، وبعد هذا القرار الذي قوبل بالرفض من قبل مجموعة الدول العربية فقد تشكلت حكومة عموم فلسطين والتي أعلنت الولاية على كامل التراب الفلسطيني وعاصمتها القدس بقيادة احمد حلمي باشا وكانت ولايتها القضائية في غزة وتتبع مصر وبعد اعلان ما يُسمى إسرائيل الحرب وقامت بتهجير وتشريد شعبنا وهدم القرى والمدن واعلنت إسرائيل قيام دولتها على انقاض قرانا ومددنا وفوق أشلاء ابناء شعبنا الذين قتلتهم عصابات القتل الصهيونية وبعد اقل من عشرين عاما اكتمل مسلسل الإجرام الصهيوني باستكمال احتلال كامل الأراضي الفلسطينية وهدم قرى - اللطرون الثلاث يالو وبيت نوبا وعمواس - وشردت أهالها ووقعت الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية تحت الحكم العسكري واستمر الحال عليه حتى العام ١٩٨٠ عندما اقر ما يسمى الكنيست الاسرائيلي ضم القدس الشرقية لدولة الكيان كعاصمة موحده لدولتهم.
وبعد عامين صدر أيضا قرار ضم الجولان واندلعت الانتفاضة المجيدة الاولى وما نتج عنها من فتح آفاق سياسية جديدة بعد مفوضات سرية وعلنية تم توقيع اتفاق أوسلو الذي تمخض عنه اتفاق مرحلي يقضي بإنشاء السلطة الوطنية يتمتع من خلاله الفلسطينيون بحكم ذاتي يؤدي الى قيام دولة فلسطينية .
بعدد كل ذلك السرد الذي أرى انه كان حبرا على ورق تنصلت حكومات الاحتلال المتعاقبة من كل التزاماتها التي تعهدت بها ضمن اتفاق المفروض انه مدعوم من راعي العملية السياسية .
استمر الوضع الفلسطيني بجمود سياسي كامل حتى اعتلاء ترامب دفة الحكم في امريكا والذي كان قد قطع على نفسه وعداً بنقل السفارة الأمريكية الى القدس..
استغل ترمب الوضع العربي والدولي وبالفعل نفذ هذا الوعد وأطلقت الولايات المتحدة العنان لإسرائيل كي تفرض سيطرتها على المنطقة بأسرها جاعلةً الدول العربية هي التي تلجأ الى إسرائيل لتحتمي بها بذريعة المواجة الجماعية لما يُسمى الخطر الإيراني وكأن التاريخ يعيد نفسه .
بين وعد بلفور ووعد ترامب مشوار شعب مازال متمسك بحقه بأرضه يعمل بكل طاقته من اجل الخلاص من هذا الاحتلال مهما تجبرت كل قوى الطغيان ومهما علا شأن إسرائيل وراعيتها امريكا، الا أن قوة الحق ستنتصر على الباطل في نهايـة المطاف .
الولايات المتحدة والضطهاد العنصري ..
يعلم الجميع أن الهنود الحمر هم الامريكيون اصحاب البلاد الاصليين، وقد تأسست اول مستعمرة بريطانية في امريكا قبل حوالي خمسمائة عام سكنها المئات من الإنجليز الذين شجعوا وقتها الهجرة الى هناك تشجيعاً للتجارة، في حين بدأت المستعمرات البريطانية تزداد شيئاً فشيئاً وبدأوا باستخدام السكان الأصليين للبلاد من الهنود الحمر بالطريقة التي تمكنهم من السيطرة على البلاد والتحكم في خيراتها فوضعوا منهم المسؤول والغفير والمستخدم والفلاح كل حسب رغباته وإمكاناته وحسب ما تقتضيه المصلحة الإنجليزية.
استمر الحال حتى نهاية القرن السابع عشر، حيث زادت المستعمرات الإنجليزية وبسط الإنجليز سيطرتهم على كل الأراضي الأمريكية وحينها أعلنت ولادة الولايات المتحدة الأمريكية وقد حيدوا سكانها الأصليين من الهنود الحمر .
وفي هذه الفترة كان المستعمرون الإنجليز يحضرون السود من أفريقيا ليستعبدوهم وليشغلوهم خدماً لهم، في حين سيطرت الأقلية البيضاء على السلطة وانحسر الوجود الهندي في بعض المناطق على شكل كانتونات مغلقة يعفوا من الخدمة والعمل مقابل الحصول على رواتب معيشية لإسكاتهم.
وبقي السود تحت استعباد الطبقة البرجوازيـة البيضاء وكانوا محرومون من كل الحقوق ولا يسمح لهم بالاختلاط مع البيض ويمنعون من ممارسة حقوقهم المدينة ويمنعون من استخدام وسائل النقل العامة التي يستعملها البيض، فيما بقيت حالتهم حتى تم تحريرهم من قبل مارتن لوثر كنج الذي قاد ثورة ضد التمييز العنصري وانتزع السود حقوقهم كاملة لكنهم بقوا الطبقة المسحوقة في المجتمع بسبب إغراقهم بالمخدرات وعالم الجريمة .
وما اشبه بدايتهم ببداية دولة الكيان التي تأسست عبر مستعمرات أقيمت على الأرض الفلسطينية بدعم وتسهيل من حكومة الانتداب البريطاني وبدأت بالتوسع رويداً رويداً حتى إقامة دولتهم على انقاض مدننا وقرانا وأرضنا المسلوبة.
وبعد تسعة عشر عاما أكملت السيناريو باحتلال لكامل الارض الفلسطينية وبتشجيع الهجرة الصهيونية الى البلاد بتوفير الحوافز والمغريات لكل القادمين من كل العالم بمن فيهم يعود الفلاشا القادمين من أفريقيا والذين يعاملون كما عومل السود في امريكا ليكونوا مجتمعاً مفككاً لا يجمعهم إلا لغة المصالح والحالة العدائية التي رسمها قادة الكيان ضد الشعب الفلسطيني فما اشبه الحالة الامريكية بالحالة الصهيونية ويا لحجم الفرق بين الشعب الفلسطيني والهنود الحمر.
فالشعب الفلسطيني على الرغم من قوة وغطرسة هذا الاحتلال وعلى الرغم من حجم آلته العسكرية وحجم الدعم الأمريكي له وحالة الترهل العربي، الا أنه بقي صامداً صابراً متحدياً كل الصعاب وما زال متمسكاً بحقه ويُقاتل من أجل استرجاع كامل حقوقه رافضاً الاستسلام أو الذوبان أو محو الهوية الفلسطينية.