البيطــــار

2019-08-06 08:47:17

«يا خليل هات..؟» نسيت أسماء عدة البيطار، هيهات أن أنسى هيئته، وبالذات، شاربيه «الدرزيين». لأشكال شوارب الرجال أسماؤها، ولأبي خليل البيطار شارباه الدرزيان مثل «شيوخ البياضة»، ربما لأن للديك عرفاً، وللعقرب «زبانة».. وللخيل ذؤابة.. ولشاربي أبي خليل البيطار شيئاً من هيئة العرف، والزبانة.. والذؤابة.

للخيل الأصيلة، كما يزعمون، شعر ذؤابة وعرف مختلف الألوان، ولذلك البيطاري بشاربيه هيبة الشكل «الدرزي»، وهيبة شيبة البياض.. وهيبة لون اصفر. ليس كلون الحناء.

كان أبو خليل البيطار بيطارا وحيدا لخيول وبغال قرية دوما.. وما جاورها أيضاً.. انه بيطار ابن بيطار، مهنة واسماً وصفة، لأن اسم ولده الوحيد صديقي في الصف، خليل البيطار.

لماذا له «صفة» البيطار، غير شاربيه المهيبين الدرزيين الأبيضين - الأصفرين؟

كان قليل الكلام، صافناً مثل «الخيول الصافنة» فإذا نطق، من شفتين مطبقتين أبداً على «سيكارة لف» ذات شكل قمعي، قال: «يا خليل هات..» وكما تهز الخيول، التي «يحذوها» بعدته وعتاده، كما يهزّ رأسه: اربع حركات، منها اثنتان للأعلى والأسفل.. واثنتان لليمين والشمال.

بقبضة يده اليمنى أداة ماضية تشبه المنجل (نسيت اسمها مع ما نسيت من العدة البيطارية).. وعلى باطن زنده الأيسر عصبة من الجلد المقوى بالزرد المعدني.. كما المجالدين القدامى (في فيلم سيارتاكوس مثلا).. وعلى صدره ما يشبه درع الفرسان القدامى من الجلد والزرد.

أصحاب ذوات الحوافر يذهبون بها إلى البيطاري، كما تذهب النساء، ذوات الأظافر، إلى صالونات. هل لا تشبه عملية «حذو» حوافر الحصان عملية تجميل أظافر الحسان: «بيدكور» و»مانيكور».

أبو خليل البيطار وحده الحذاء، ولابنه خليل أن يلبي نداء «هات يا خليل..»، وفي ساعتي صلاة الجمعة، وخطبتها الطويلة، أقول لصديقي خليل البيطار «هات المسامير».

مسامير حذوة الحصان تحتاج طرقاً وتهذيباً، لتغدو نهايتها مضلعة وحادة، وتاجها له شكل مربع مدبب، أو شكل «المعين». كنت اطرق المسامير مع صديقي خليل طرقات غير موفقة، شبه موفقة.. تاركاً له تجليسها بمهارته في الطَرق.

كان أبو خليل البيطار بخيلاً على ابنه خليل، وكان خليل يحصل على خرجيته من طَرق المسامير للأولاد، الذين يلعبون لعبة «البلبل والليطاني». البلبل خشبي، ورأس البلبل المسماري، لا يلبث أن «يغور» في خشب البلبل خلال مباريات الأولاد الحامية. من يهمد دوران بلبله أولاً يخسر اللعبة.

كأي لعبة أولاد، هناك أخيار وأشرار، الأخيار تدور بلابلهم طويلاً.. والأشرار، المسلحة رؤوس بلابلهم بمسامير حذوة الحصان المعدلة، يفلقون بلابل الأولاد الأخيار. رمية خطافية قد تفلق بلبل الولد - الخصم نصفين.

كان البيطار الصغير، صديقي خليل، يخصني بأحسن المسامير طرقاً، ليكون بلبلي «فلاق» بلابل الأولاد.. وكان البيطار الكبير يخصّ ابنه خليل بعمل ثالث، غير مناولة العدة، وطرق المسامير، وهو طلي حوافر الخيل والبغال، بعد حذو حوافرها بصباغ أسود لعله «القار» ذو الرائحة النفاذة غير المستحبة.

سأعرف، لاحقاً أن تلك «البويا» السوداء لحوافر الخيل كانت، أيضاً «دواء أسود» من القار لتطهير حوافر الخيل من خدوش عفوية قد تلحق بها أثناء عملية حذو الحافر.

سأعرف، لاحقاً، تفسيراً لموت أبي خليل البيطار، الذي بدا فجائياً (مثل موت والدي الفجائي بسكتة دماغية).

صارت شواربه البيضاء صفراء كلها، وبقيت محافظة على شكلها «الدرزي» المهيب، مثل زبانة عقربين متقاربين. مات اكثر الرجال صمتاً.. البيطاري الصافن!

في حينه، قال لي صديق المدرسة الابتدائية، خليل البيطار، إن والده مات، لأن «صدره خربان». أهلكه صمته، وأطباقه شفتيه على السيكارة، من إشعالها إلى انطفائها.

أتذكره ينفث دخان سيكارته من فتحتي خيشومه فقط، كما تنفث الخيول بخار زفيرها في الأيام الباردة من خيشومها.

كانت للبيطاري الصغير شغلة رابعة ونادرة، وهي «تمليس» جلد الحصان الفحل (الشبيّب)، وتمشيط شعره، ليبقى عريساً مطلوباً في «بروتوكولات» إخصاب الفرس.. التي كنا «نتلصص» عليها، في حقول ظاهر القرية.. فيصرخ بنا الرجال الكبار قائلين: «أولاد بابا حسن.. أولاد رذيلين».

مات أبو خليل البيطار «موتة ربه» أو مات بسرطان الرئة.. أو احتفظ خليل البيطار بكنية أبيه وجده.. كان صغيراً، ولم يتقن، بعد، حذو حوافر الخيل.

في الصف الرابع الابتدائي، «دشّر» صديقي خليل البيطار المدرسة، و»دشّر» مهنة أبيه. صار «صبي خباز».. وأنا انقطعت، بالطبع، عن لعبة «البلبل والليطاني». اللعبة ذاتها اندثرت.