الشعبوية اليمينية - الانتخابات وصعود اليمين في العالم

2019-10-01 10:31:00

تنتهي وتتبدل الأحزاب على مر التاريخ، إلا أن الفكر (الأيديولوجيا) لا يموت، قد تضعف بعض الأفكار لفترات زمنية بحكم متغيرات عديدة إلا أن الأفكار تعود وتظهر بصور مختلفة، وهذا تماماً ما حصل بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ظننا أن النازية والفاشية انتهت، نعم لقد احترقت كأحزاب ولكن اليوم نشهد عودة لأفكار اليمين المتطرف بتسميات أخرى، تتبنى أفكارا عنصرية في العديد من دول العالم. ما يجمع هذه الأحزاب هو العنصرية التي تذكرنا بالنازية والفاشية ولكن بصورة جديدة تسمى "الشعبوية اليمينية" التي تروج لأفضلية شعوبها وتنادي بحماية هويتها الوطنية.

إنّ المتمعن بخطاب اليمين المتطرف بالوقت الحاضر يجد نفسه أمام صور الماضي الذي يرفض الاختلاف، يرفض اللاجئين وينادي بنقاء العرق والهوية الوطنية، إنها العنصرية الحديثة المغلفة بالديمقراطية والسلام، فنزعة التطرف السيكولوجية والفلسفية والاجتماعية والسياسية، التي تحملها أحزاب اليمين المتطرف في الوقت الحاضر أصبحت مثيرة للقلق على مستقبل الشعوب.

من الواضح أن الشعبوية اليمينية في صعود متزايد في العديد من دول العالم، ففي الولايات المتحدة الأمريكية فاز الحزب الجمهوري الذي يمثل اليمين المتطرف بقيادة دونالد ترامب، وفي أوروبا بات واضحاً صعود الشعبوية اليمينية، ابتداءً من بريطانيا حيث تقدم حزب Brexit المؤيد لحملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، أما في المانيا بالرغم من تقدم حزب المستشارة ميركل الديمقراطي المسيحي بالنتيجة النهائية للانتخابات الأخيرة، إلا أنه من الواضح تقدم حزب البديل من أجل ألمانيا في بعض المدن الألمانية وهو يميني شعبوي ومعادٍ للأجانب، وفي فرنسا تقدم حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، بزعامة لوبن على حزب «الجمهوري إلى الأمام» الوسطي الذي يتزعمه الرئيس إيمانويل ماكرون، أما في إيطاليا، فقد فاز حزب «الرابطة» اليميني المتطرف بقيادة نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني، وفي المجر -هنغاريا- فلقد فاز حزب «فيدس» اليميني الحاكم، أما في بلجيكا، فقد تقدم الحزب اليميني المتطرف الفلامز بلانغ، في انتخابات البلدية البلجيكية، أما في السويد فقد ارتفعت نسبة أصوات اليمين المتطرف لحزب ديمقراطيو السويد اليميني الشعبوي في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة، وهذا ما يعكس نجاح عمل هذه الأحزاب على إقناع الرأي العام بفكرها وأيديولوجيتها القائمة على العنصرية الرافضة للآخر. ولقد امتد زحف اليمين المتطرف إلى بعض دول أمريكا اللاتينة، ففي البرازيل فاز الرئيس غايير بولسونارو اليميني المتطرف المعروف بمواقفه العدائية للمسلمين، والمؤيد لاسرائيل، وفي كولوميبا فاز المرشح اليميني المتطرف إيفان دوكي بالانتخابات الرئاسية الكولومبية، أما في الأرجنتين فاز الرئيس اليميني المتطرف ماوريسيو ماكري، وفاز اليميني المتطرف سيباستيان بينيرا، رئيساً لتشيلي للمرة الثانية، أما في الهند فقد فاز التحالف الديمقراطي الوطنى بقيادة حزب "بهاراتيا جاناتا"، وفي استراليا، أصبح اليميني المتطرف سكون موريسون رئيساً للوزراء.

إن المتابع للأفكار والبرامج السياسية لأحزاب اليمين المتطرف جميعها سيجد تشابهاً قوياً بين ايديولوجية تلك الأحزاب وبين ما كانت قائمة عليه النازية والفاشية، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا هذا الصعود المتسارع لليمين المتطرف؟

هناك إجابات كثيرة، أهمها تراجع أحزاب الوسط، وأحزاب اليسار في العالم بعد سقوط الاتحاد السوڤيتي من جهة، ومن جهة أخرى، فلقد استغل اليمين المتطرف الأزمة المالية التي ضربت العالم في 2008، واستغل خيبة الأمل التي شهدها مؤيدو اليسار في العالم، في ظل وجود عدم توازن بين ما تنادي به أحزاب اليسار من شعارات العدالة والمساواة الاجتماعية، وبين واقع أزمة اقتصادية زادت من وجود الطبقات بين فئات المجتمع، ويبدو أنها استطاعت أن تقنع أغلبية الناخبين أن القضايا التي تثير قلقهم كحوادث الإرهاب والأزمة الاقتصادية والمناخ سببها زيادة أعداد اللاجئين أو زيادة مظاهر الاختلاف سواء على أساس ديني أو عرقي، فعززت الخوف وكراهية الآخر وأقنعت ناخبيها إن الحل هو بالحفاظ على نقاء الهوية الواحدة دون قبول الآخر.

من الجدير بالذكر أن مصطلح اليمين واليسار هو مصطلح قديم منذ أيام الثورة الفرنسية، عندما كان من يؤيدون النظام يجلسون على يمين البرلمان الفرنسي، ومن يؤيد الطبقة الكادحة وتغيير النظام يجلسون على يسار البرلمان. فرغم قدم المصطلح إلا انّ الممارسات على الأرض للأحزاب اليمينية، مازالت مشبعة بفكرة السيطرة وإقصاء الآخر، ورغم موجات الحداثة التي شهدها العالم من عولمة وتطور تكنولوجي، بقيت تلك الأحزاب متقوقعة على نفسها بأفكار عدائية، تعيش بعالمها الخاص الذي يعتقد أنه الأفضل، وأن العالم يجب أن يخضع له.

أما في اسرائيل، فلقد تراجعت أحزاب اليسار، فحزب العمل مثلاً وهو حزب يساري علماني، سيطر على اسرائيل منذ عام 1949, وكان يرأسه بن غوريون. مؤخرا تحولت المنافسة بين أحزاب اليمين، فمنذ عقدين يسيطر حزب الليكود على اسرائيل، وهو حزب يميني متطرف، وحديثاً تقدم حزب أزرق أبيض اليميني على الليكود بفارق مقعدين، المنافسة بين الحزبين قائمة على دعم الاستيطان وعلى تقويض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية، وتأييد قانون القومية اليهودي، والقدس الموحدة، وقانون كمينتس الذي يسرع الهدم ورفض حق عودة اللاجئين. بشكل عام فإن أحزاب اليمين في إسرائيل، وان اختلفت التسمية بين متشدد او متطرف أووسط، لديها جميعها نفس الأهداف ونفس الأيديولوجية والبرنامج السياسي الرافض للوجود الفلسطيني.

في ظل تصاعد اليمين في اسرائيل والعالم، آن الأوان أن نستيقظ، وأن نراهن على أنفسنا، وعلى وحدة صفوفنا، وإنهاء الانقسام الذي لم يجلب لنا سوى الضعف والمذلة، ولنأخذ درساً مما رأيناه بوحدة القائمة العربية المشتركة، لتصبح الكتلة الثالثة في الكنسيت للتصدي للسياسات العنصرية.

إن الشعب الفلسطيني يفتقد مشهد الانتخابات منذ زمن، وهنا نعول على كلام الرئيس عباس بعقد انتخابات عامة قريبا.

نهاية، إنّ معايير الديمقراطية في العالم، لا تقاس فقط بالأعداد الوافدة لصناديق الاقتراع، والتي قد تنتج أغلبيات يمينية متطرفة، وإنما تُقاس الديمقراطية بالممارسات الحقيقية للحرية، والمحافظة على حقوق الإنسان ولمبادئ التسامح والعدالة على أرض الواقع. وعلى القوى والأحزاب التي تدعم التطرف بالعالم أن لا تستهين بوعي الشعوب، نحن نراهن على إرادة الشعوب، وخاصة الشباب بالحرية والسلام، وان التعبئة والتحريض على العنصرية ورفض الآخر، سوف يفشلان أمام ازدياد وعي الجيل الجديد بالحقوق والحريات احتراماً لنزعته الإنسانية.