سيدة القصور وأواخر حياة الدولة الفاطمية

2020-01-06 11:38:59

منح نظام الحكم في الدولة الفاطمية منصباً سياسياً وإدارياً مرموقاً عرف باسم "سيّدة القصور" كما وصفه علي الجارم في روايته، تشغله واحدة من أدهى نساء الدولة، تعتلي عرشاً لا يقل أهمية عن عرش الخليفة بل يزيد، يحفّ عرشها "مؤتمن  الخلافة" ورجال عسكريون وأساتذة ومستشارون وأدباء وشعراء، تحاك في قصرها -شديد البذخ والإسراف- كل المؤامرات، وتُصنع في أروقته قرارات الحرب وتعيين الولاء وعزل أصحاب الوزارة وتوليتهم؛ في سبيل الحفاظ على الدولة، فهي العقل المفكر واليد الباطشة ولها فنون من الحيل والخداع يعجز عن إدراكها أذكياء الرجال، تتخذ من أنوثتها ستاراً لدسائسها، فهي في الحسن آية الله في خلقه.

لم ينقل الرواة والكتّاب والمؤرخون عنها أنها بكت كما النساء، ولا ضربت يداً على يد لهول مصيبة أو وقوع كارثة، بل إنها سرعان ما تغلق بهوها على نفسها وتبدأ بتدبير الأمور وحل الأزمات، وتدير شؤون الدولة على امتدادها من داخل قصرها، لم تقطر عيناها الدمع إلّا عندما أزيلت الرايات عن مباني الدولة في القاهرة وأعلن صلاح الدين الأيوبي إنهاء كل مظاهر الفاطمية، حيث أرسله نور الدين زنكي من الشام بعد استغاثة "سيّدة القصور" له من حكم والي الوزارة "شاور" الذي طغى في البلاد، وشاور أحد القادة الذين رحّبت به سيدة القصور بعد مؤامرة أنهى من خلالها حكم ابن رزيك.

في الواقع، أن سيدة القصور كانت كلما جاءت بوالي وزارة جديد، وخالفها الرأي، ويتجاهل أوامرها ونواهيها، حبكت له مؤامرة في وقت لا يزيد عن أيام قليلة، وعزلته بقوة بالاستعانة بجيش آخر، وولّت غيره على حكم مصر العظيمة على أن تبقي هي "سيدة القصور"، بدهاء خارق كانت تعزل وتنصّب حكّام الدولة الفاطمية. 

كانت أهم وصايا أمير مكة المكرمة لليمني عمارة بن زيدان حين بعثه إلى القاهرة يلتمس رضا الفاطميين، ويطلب إعادة المساعدات السنوية التي قطعتها الدولة الفاطمية عن مكة؛ أن يحذّر من دهاء سيدة القصور -عمّة الخليفة الفائز- آنذاك، لكن ما لبث أن أقام في القاهرة حتى استطاعت أن تنسيه مكّة ومن فيها.

أعجبت سيدة القصور بقصائد عمارة وكلماته وأشعاره، ودعته إلى قصرها حيث أصيب بالذهول لضخامته وحسن بنائه وجمال زخرفته وكثرة أعمدة الرخام فيه، ومن فخامة أثاثه، فالأبسطة الفارسية تغرق فيها الأرجل والستائر المذهبة والكراسي والأرائك، وكل شيء مرصّع بالذهب والحجارة الكريمة، بهت عمارة بالجواري على اختلاف جنسياتهن،  كسبت سيدة القصور معاهدة عمارة بعد أن تقدّم وقبّل يدها وهي تجلس على كرسي ضخم في وسط بهوها، ووقف مطرقاً خاشعاً بين يديها، يعاهدها على أن يحمي عرشها ودولتها، فهو كان يملك من فصاحة وبيان وقوة حجة وبرهان ما يعجز عنه الكثيرون.

رغم مهمّة عمارة التي كان مبعوث من أجلها، لم يتفوّه منها بحرف حتى علّقه صلاح الدين الأيوبي على خشبة الإعدام بعد عشرين عاماً من وصوله للقاهرة، حين هاجم بشعره الدولة الصلاحية التي بدأت بإنهاء مظاهر الفاطمية، وفي تلك اللحظة مرّت من أمامه جنازة فسأل عنها، فأخبروه أنها لسيّدة القصور، إذ لاقت حتفها حين سدّت أمامها منافذ الأمل، وتجهّم لها وجه الزمان، فتجرّعت سمّاً ماتت به، على انهيار الفاطمية سنة 570 هـ.

خلال آخر عشرين سنة في حياة الفاطمية، لم تترك سيدة القصور عدواً ولا صديقاً، عربياً فارسياً أو افرنجياً إلّا وتعاونت معه في سبيل عزل أصحاب الوزارة الذين تعاقبوا على الدولة؛ من أجل الحفاظ على نفسها وملكها وعرشها، وكل ذلك لم يكن إلّا بتجهيز الجيوش وخوض الحروب، واشعال الفتن، والدسائس ضد كل مخالف.

حاولت سيدة القصور أن تنهي ولاية صلاح الدين من الوزارة، فأمرت بتجهيز جيش على يد مؤتمن الخلافة لمقاتلته وتطهير البلاد من جنده، وبدأت المعركة ورغم أنها طالت، استطاع الأيوبي أن يحسمها لصالحه، وأن يستولي على كافة قصور الدولة، وحبس سيّدة القصور في بهوها، لكنّها في ليلة ظلماء تخفّت بلباس جارية وخرجت تجتمع مع المتآمرين من الفاطميين، وأمرت بالاستعانة بجيوش الافرنج في عسقلان والشام لنصرة الفاطمية، لكنها لم تكن تدرك انها في آخر أيامها، فالمؤامرة تكشفت خيوطها قبل البدء بتنفيذها وقبض صلاح الدين على كل المتآمرين وأمر باعدامهم، وأنهى كافة مظاهر الفاطمية، وبذلك انتهت دولتهم.