مخاطر كبيرة تتهدد الدول النفطية بعد انهيار الأسعار

2020-04-26 09:00:07

يعتقد الخبير في مجال النفط ماتيو أوزانو بأن بعض الأنظمة التي تعتمد على النفط مثل الجزائر والعراق وإيران قد تتعرض للخطر وقد ينتج عنها عواقب مأساوية، وفق ما ينقل تقرير في صحيفة "لو نوفيل أوبسرفاتور" الفرنسية للكاتبة سارة ضيف الله.

وقالت الكاتبة سارة ضيف الله إنه للمرة الأولى في تاريخها، انهارت أسعار النفط الخام الأميركي يوم الاثنين الماضي لتصل إلى تحت الصفر في حدود حوالي ناقص 37.63 دولارا للبرميل (وصل إلى ناقص 38 دولارا). وكان سعر البرميل قد بلغ مع بداية هذا العام، حوالي ستين دولارا، لكنه سرعان ما تراجع.

وأضافت أن انهيار الطلب -بسبب فيروس كورونا وتقلص قدرات تخزين النفط- شكلا معا العامل الذي يفسر هذا الانخفاض الهائل في أسعار الخام، وتساءلت في ضوء ذلك عن العواقب الجيوسياسية لهذا الانخفاض السريع للأسعار على الدول المصدرة للنفط. 

وعن المخاطر الاقتصادية التي قد تنجر عن امتلاك العديد من الدول المصدرة للنفط آلاف البراميل، التي يتطلب تخزينها كلفة عالية، بيّن الخبير ماتيو أوزانو، أن العالم بأكمله يخسر أموالا طائلة، وأن جميع المنتجين الرئيسيين وصلوا إلى مستويات أقل من سعر التعادل المتوقع للميزانية، وفق ما ينقل تقرير أوبسرفاتور.  

الأكثر تضررا..

تعد إيران والعراق وفنزويلا والجزائر من الدول الأكثر تضررا بانخفاض أسعار النفط، لأنه في بعض الحالات، يكاد يكون النفط المورد الوحيد لديها، لهذا السبب ينبغي الانتباه للغاية لما يحدث في هذه البلدان، خاصة في الجزائر، كما تقول الصحيفة.

وعن السؤال الذي طرحته الصحيفة الفرنسية بشأن ما إذا كان قد سبق حدوث وضع من هذا القبيل في الماضي، أوضح الخبير في مجال النفط أن السابقة الوحيدة القابلة للمقارنة هي حادثة وفرة النفط في الثمانينيات حيث شهدت انخفاضا حادا في أسعار النفط وصلت إلى عشرة دولارات في سنة 1986. 

فبعد حرب أكتوبر/تشرين الأول والصدمة النفطية الأولى، ثم الثورة الإيرانية والصدمة النفطية الثانية، سُجل ركود أدى إلى وفرة كبيرة في النفط بالسوق العالمية، ونجم عن ذلك تقويض موارد الدول النفطية لعدد كبير من البلدان المنتجة، وتسبب ذلك في عواقب جيوسياسية ثقيلة. 

في هذا السياق، يتبادر حدثان إلى الأذهان، وهما انهيار الاتحاد السوفيتي والحرب الأهلية في الجزائر في التسعينيات من القرن الماضي، وفق المصدر ذاته.

وتعود أحد العوامل الرئيسية لانهيار الاقتصاد السوفيتي إلى وفرة النفط في الثمانينيات، وهي الفترة التي وقع خلالها تجفيف النفط الذي يعد المصدر الوحيد للعملة الأجنبية، بسبب انهيار سعر البرميل بدءا من سنة 1985، بحسب الخبير النفطي.

والأمر سيان بالنسبة للجزائر -يتابع المصدر نفسه- حيث شكل العامل الاقتصادي أحد أسباب أزمة النظام التي أدت إلى الحرب الأهلية في التسعينيات. فبين عشية وضحاها، أصبح من المستحيل تمويل الاستثمارات الضخمة وخطط التنمية التي وضعها الجنرالات، ولم يعد من الممكن شراء السلم الاجتماعي، وهي المشكلة ذاتها التي تحدث مجددا في الوقت الحالي.   

التاريخ يعيد نفسه..

وحول ما حدث خلال سنوات وفرة النفط في الثمانينيات، أجاب الخبير بأنه في منتصف الحرب الباردة، أدى تباطؤ النمو إلى فائض في أسواق النفط، وقد عززته لعبة جغرافية إستراتيجية متعمدة من وزارة الخارجية الأميركية، آنذاك، حيث شجعت إدارة ريغان السعوديين على زيادة الإنتاج إلى أقصى حدوده، وإغراق السوق، ليتفاقم انهيار أسعار النفط، وقد سبب ذلك الكثير من الأضرار للصناعة الأميركية، في الوقت نفسه دمرت فيه الحرب الأفغانية الميزانية السوفيتية.

وفيما يتعلق بمدى تأثير الوضع الحالي على زعزعة الاستقرار الجيوسياسي، يشير الخبير النفطي ماتيو أوزانو إلى أن الشرق الأوسط يعيش في وضع قابل للانفجار، ومن الواضح أن هبوط سعر البرميل سيزيد من احتمالات التوتر في هذه المنطقة، في وقت تجاهلت إيران استفزازات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ويعتقد الخبير النفطي بإمكانية أن تغلق إيران مضيق هرمز تحت تأثير العقوبات الاقتصادية وتداعيات فيروس كورونا، وهو ما قد يؤدي إلى قطع شريان الاقتصاد العالمي. 

مقاومة الأزمة..

وعن الذين يمكن أن يقاوموا هذه الأزمة بشكل أفضل، عبر الخبير النفطي عن اعتقاده بأن السعوديين يمكن أن يُبدوا مقاومة أفضل من غيرهم، ذلك أن تكلفة الإنتاج منخفضة للغاية ولديهم احتياطيات كبيرة من النقد الأجنبي.

كما أن روسيا -التي عانت من انخفاض أسعار النفط في عام 2015- على أهبة الاستعداد لهذه الحرب، حيث تعلّم الإستراتيجيون في الكرملين درسا مما حدث في الاتحاد السوفيتي في الثمانينيات، لذلك عندما خاضوا حرب أسعار النفط في أوائل مارس/آذار الماضي كانوا جاهزين لها، ورفضوا طلب السعودية بشأن كبح فرامل الإنتاج، كما يقول الخبير النفطي.

وأشار ماتيو أوزانو إلى أن الروس كدسوا احتياطيات كبيرة من النقد الأجنبي منذ عام 2015، ناهيك عن أن تدني قيمة العملة المحلية "الروبل" ساعدهم في مجابهة نقص الدولار. 

ولفت إلى أن الروس يعتزمون الاستفادة من هذا الانهيار في الطلب، لتجاوز العقبة التي يمثلها منتجو النفط الصخري في الولايات المتحدة. 

اضطراب الدول المنتجة للنفط..

أما بشأن احتمال ارتفاع الأسعار بسرعة الذي قد يجنب البلدان المنتجة حدوث كوارث، فقال ماتيو أوزانو "نعرف متى نقع في أزمة لكننا لا نعرف متى نخرج منها، ومن غير المرجح أن يعود الطلب على النفط بسرعة إلى مستويات ما قبل الأزمة، لأن عودة الحركة الجوية والسياحة ستكونان بشكل تدريجي". 

وأضاف "سوف نعيش في فترة قد تنخفض فيها أسعار النفط الخام، وباستثناء السعودية وروسيا، ستدخل الدول المنتجة بوضوح في حالة من الاضطراب الشديد، فعلى سبيل المثال، سوف تشهد إيران والجزائر والمكسيك وفنزويلا وأذربيجان عجزا كبيرا في ميزانيتها، وأنا لا أتحدث عن الدول المنتجة للنفط في خليج غينيا، مثل نيجيريا".

وأوضح الخبير أنه حتى لو ارتفع سعر البرميل، ستظل بلدان كثيرة مثل الجزائر تواجه انخفاضا في إنتاج النفط الخام، مشيرا إلى أنه حتى مع ارتفاع الأسعار لن يحل ذلك المشكلة بشكل جذري.  

وأشار الخبير إلى أن الشركة الوطنية الجزائرية "سوناطراك"، التي تراجع إنتاجها إلى الربع خلال عشر سنوات، تشهد تدهورا هيكليا، ويدرك الجزائريون ما يعنيه ذلك بالنسبة لاستدامة النظام السياسي القائم وقدرته على البقاء في السلطة.