بيئة العمل وإبداع الموظفين
لقد كشفت أزمة كورونا عورات العديد من مؤسساتنا وأنظمتنا الإدارية المترهلة، في مختلف القطاعات الحكومية والخاصة والأهلية، فتفاقمت شكاوى الموظفين من الأنظمة القمعية، وتعامل المديرين السيئ معهم، وتطبيق الأنظمة الإدارية التي عفى عليها الزمن، ولم تعد تناسب طبيعة الأزمة التي نمر بها، بنظام ديكتاتوري.
وإذا عدنا إلى ما قبل الأزمة، فيمكننا تشخيص الحالة الفلسطينية على أنها منطقة مغلقة، سوقها محدودة، وشركاتها كلها تعتبر ناشئة، وفي مراحل التأسيس، واقتصادها هش،يتعرض لضربات الاحتلال القاسية، ويتصف بعدم الاستقرار،في مقابل جامعات تضخ آلاف الخريجين سنويا، في تخصصات مختلفة، أصبحت سوقنا مشبعة بها، مما تسببب في نسبة بطالة عالية جدا، وفرص محدودة، الأمر الذي انعكس على واقع بيئة العمل على شكل ضغط على الموظفين؛ لأن إداراتهم باتت تعلم أن الموظف منهم لا يملك سوى فرصة سوى السكوت،والعمل تحت الضغط الشديد؛ لأنه لن يجد فرصة أخرى،فيستسلم للاستغلال في ظروف عمل غير سليمة.
وتنعكس هذه الحالة سلبا على الموظفين من زاويتين: الأولى تكمن في الجوانب الاجتماعية والنفسية، والشعور الدائم بالقلق،وعدم الراحة في مكان العمل، وانعدام الأمان الوظيفي، والثانية تكمن في تحول الموظف من مفكر ومبدع وخلاق، إلى آلة تنتج ما تمليه الأوامر فحسب. وهذا أمر سلبي جدا في بيئة العمل.
لهذا يحتاج الواقع المهني والعملي في فلسطين إلى التفكير خارج الصندوق، وفتح مجالات الإبداع؛ فكم من موظف خرج من بيئة عمل مقيتة إلى أخرى ساعدته فأبدع ووصل! وكم من موظف أنشأ مشروعه الخاص، وعالج أخطاء الماضي في مؤسسته، ونجح! هناك عشرات حالات النجاح والتألق المهني التي خرجت من معاناة مع أنظمة إدارية محبطة ومترهلة.
كثرة شكاوى الموظفين عما يعانونه من مشاكل في مؤسساتهم، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تدق ناقوس الخطر على الأفراد والأعمال التي تتأثر سلبا. وعند تشخيص هذه المشاكل، نجد أن كل ما في الأمر لا يعدو بيئات عمل غير داعمة ومنفرة، تعامل موظفيها على أنهم آلات لا كيانات ولا مشاعر لها، يتم سجنها ثماني ساعات، تكلف بأعمال أو لا تكلف، يرهقهم التفكير بالمسؤوليات الخارجية، والهموم الحياتية اليومية؛ فالراتب لا يفي بالحد الأدنى لمتطلبات الحياة، ومهمات عمل، لو وجد العدل، لحصل الموظف على أضعاف راتبه الحالي.
ولكن الحلول موجودة وليست صعبة، ويمكن للإدارات ومديريها ولصناع القرار، تبنيها والمبادرة إليها، أولها أن على الإدارة العليا للمؤسسة أن تختار الشخص المناسب القادر على التعامل مع الموظفين واستيعابهم، وإعادة النظر في السياسات، وطرق التعامل مع الموظفين، وخلق الأجواء الإيجابية،ومشاركة الموظفين في صنع القرار، والاستماع إلى خبراتهم المهنية والشخصية، ومساندته قدر المستطاع بتوفير مايحتاج إليه ويساعده على السير قدما في تطوير ذاته وعمله.إضافة إلى تجنب كل ما يمكن أن ينفر الموظفين ويرهقهم ويشغل تفكيرهم، وإلغاء القرارات التي تحد من حرية التفكير والإبداع،واهمها إلزام الموظفين بساعات عمل؛ سواء أكانوا مكلفين بمهمات أم لا، ومعاملتهم على أساس الإنجاز والمهمات.
ورغم أن لكل مؤسسة وبيئة عمل خصوصيتها وطبيعة عملها التي تختلف عن غيرها، إلا أن التعامل بروح القانون والنظام،والمعاملة المهنية والأخلاقية، عاملان مشتركان بين مختلف البيئات والأماكن، لتحولها إلى مصدر راحة وأمان، وتخلق أجواء مهنية وأخوية، وصدق معاملة، وعدلا وتقديرا بين جميع الأطراف.