نحن بالانتظار٠٠٠
في مرحلة ما بعد جائجة كورونا سيحتاج العالم لفترة نقاهة وتأقلم مع الوضع الجديد ، بينما نحن وباقي شعوب العالم الفقيرة ذات الاقتصاديات الهشة فما علينا إلا الانتظار.
الواقع أنني ما زلت أقر بعجزي عن فهم ما يجري حولي كالكثيرين من أبناء الوطن ؛ إلا أني -عند التأمل- أجدني أتمثل قول الشاعر العربي القديم:
سوف ترى إذا انجلى الغبار .. أفرس تحتي أم حمار
ان فكرة "ما قبل كورونا وما بعدها" والسعي لترويجها عملية تحضير للعقول بحتميات جديدة لا سبيل لدفعها، ألا وهي:- " وباء كورونا سيغير العالم الى الابد" .
هل نحن عبثيون ، حينما نسأل أصحاب القرار او الاشخاص العاديين ، ماذا بعد كورونا، مباشرة؟ يقولون ننتظر اللقاح ، او ننتظر اعتمادا عالميا لعلاج فايروس كورونا. ومتى سيتوصلون لذلك اللقاح ؟ والاجابة عندما تنتهي الجائحة .
وتشير التقديرات الدولية عن واقع الفلسطيني ان تكلفة جائحة كورونا التى ولدت خسائر اقتصادية حادة قد تتراوح بين 8%-35% من الناتج المحلي الاجمالي، كما ان انخفاضا حادا شهدته الايرادات المالية العامة بالتوازي مع انخفاض الناتج المحلي الاجمالي. اذ تفتقر السلطة الفلسطينية الى سياسات اقتصادية تحاكي التحدي الهائل الذي تفرضه الجائحة ، فالسلطة لا تملك الامكانيات للوصول الى مصادر اقراض خارجية ، كما انها تستخدم عملة نقدية اسرائيلية (الشيكل) او عالمية (كالدولار او اليورو) بمعاملاتها الدولية ، وليس لديها استقلالية مالية ونقدية ولا مساحة مالية للنهوض بالواقع .
اننا نشهد قصورا شديدا وواضحا في ربط السياسات الاقتصادية والسياسات الاجتماعية على المستوى الوطني . وايضا عجزا حكوميا في بناء سياسات اقتصادية حساسة للفئات الضعيفة المهمشة بالمجتمع الفلسطيني الذي تتعرض الفئه المهمشة الى الازدياد يوميا.
نحن الان بمرحلة مهمة لتشكيل المستقبل ويتطلب ان تكون ذات طابع رخاء ولتحقيق ذلك علينا بتحقيق شرطين أساسين لذلك: الاول: وجود دولة بمواصفات ليبرالية اي : صلبة وتقليدية بنفس الوقت ، والشرط الثاني: خلق سوق افتراضي نخترق فيه جميع الحدود بالعالم .
من الواضح تماما انه ما يحدث في العالم ، بالنقل النوعية نحو التطور التكنولوجي الرقمي سيساهم في اعادة صياغة انظمة اقتصادية حديثة ويلغى الاشكال التقليدية من انظمة حاكم لاقتصاديات العالم ، فما علينا الا ان نجهز انفسنا لذاك الزمان القريب لكي نتمكن ان نلتحق بالركب العالمي ونستطيع المشاركة وان نرسم اسم فلسطين على تلك الخارطة الجديدة للعالم.
اين تلك الاستراتيجيات الاقتصادية الوطنية الفلسطينية التى تحاكي التغير القادم في العالم ، واين تلك المنهجيات الوطنية الساعية لتشكيل وطن يواكب الثورة الصناعية الرابعة ثورة التكنولوجية ، واين الانظمة والقوانين الراعية لما هو قادم ، اؤكد وأجزم اننا سنلحق الدول الرائدة بمجال التطور والتحديث. لاننا ما زلنا نبحث كيف سنصدر منتجاتنا الوطنية وكيف نستورد مواد خام، وكيف سنقطع الحواجز وكيف سنقوم بتغطية تكاليف العلاج ، وكيف سندفع ايجار المقرات والمكاتب وكيف سندفع رواتب الموظفين الشهرية ليعيشوا بكرامه ويغطوا تكاليف حياتهم . ولم نعط لتلك المبادرة والرائدة المجال للابداع، ابقينا مهمتنا ان نعالج المتطلبات اليومية للمواطن وادارة حياته واكررنا قتله سابقا: " ان اول واجبات الحكومة ان تحمي الشعب ، لا تدير له حياته"
وبنظرة متأملة للاحدث الاحصائيات الرسمية الفلسطينية ان ما يقارب 21.000 منشأه صناعية تعمل حاليا بالسوق الفلسطيني 16.000 منشأة بالضفة الغربية و 4000 منشأة بقطاع غزة، ويشغل القطاع الصناعي الفلسطيني ما يقارب 122,000 عامل فلسطيني ، في حين تظهر التقارير الصادرة من وزارة الاقتصاد انه تم ترخيص 138 مصنع جديد بعام 2019 بقيمة كلية تقدر ب 132 مليون دولار وبانخفاض عن عام 2018ب 19% من قيمة الاستثمارات.
نحن يجب ان نوجه المستثمرين نحو التغير نحو القادم ، بجب ان تقوم وزارة الاقتصاد وبالتعاون مع مؤسسات القطاع الخاص ووزارة الخارجية بالعمل كخلية متكاملة في جذب المستثمرين ضمن اطر التغيرات الممنهجة الجديدة المروحة تحت عنوان الاقتصاد بعد كورونا، وعليه يجب العمل ضمن الاقتراحات التالية :-
- احداث نقلة نوعية بخلق حملة جديدة لحشد جميع الموارد المتاحة، بشريا وسياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا ودوليا - لتقليل وتحييد الآثار السلبية على الاقتصاد الفلسطيني الناجمة عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي والتبعات القانونية والادارية التي خلفتها الاتفاقات السابقة الموقعة مع الاحتلال.
- نظرة وتطبيق اصلاح شامل على كل القوانين والقواعد واللوائح الصادرة والمنظمة لبيئة الأعمال بهدف تسهيل الاستثمار وتشجيع النمو. وهذا من شأنه تحفيز الاستثمار من مصادر محلية ووافدة وذلك بهدف رفع نسبة الاستثمار الوطنية (الخاصة والعامة) من 16 ٪من الناتج المحلي الإجمالي حاليا إلى 30- ٪35 ٪بحلول عام 2025
- العمل على خلق أليات لدمج استثمارات اجنبية وعربية بالسوق الفلسطيني ، وتعميق دور القطاع المصرفي الفلسطيني في تمويل الانشطة الاقتصادية من خلال اليات الخاصة بالحوافز التي تقدمها سلطة النقد لتعزيز نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة والانسطة الاقتصادية والغنية تكنولوجيا .
- العمل لخلق رؤية جديدة تضع تصورا لمضاعفة حجم الاقتصاد الفلسطيني بحلول " رؤيه فلسطين ب 2025 ،وحول نمو ً اقتصادي مستدام وقادر على رفع فلسطين إلى فئة البلدان ذات الدخل المتوسط، إذا ما تم إنجاز الإصلاحات الأساسية وحشد الموارد المتاحة خلال فترة زمنية لا تتجاوز العقد بكثير
- السعى الحثيث نحو استقطاب المستثمرين المغتربين الفلسطينيين والعمل على مشاركتهم بالرؤية الجديدة الفلسطينية ومنحهم دور مهم في اعادة انعاش الوطن اقتصاديا .
- التركيز على اقتصاد المسقبل : الرياديين ، الطاقة المتجددة ، الدعم المالي للمشاريع بشكل مشترك ، نظم لتطوير الاعمال .
- القدس : القدس بحاجة الى استراتيجية خاصة بها فهي تستحق الكثير ، وانتم مقصرين معها ومع اهلها ، انتم بحاجة ماسة لخلق واقع القدس الجديدة، بناء اقتصاد داخل المدينة، دعم المبادرات ، دعم انشاء مراكز اقتصادية فلسطينية ، انشاء منشآت اقتصادية حيوية جديدة
فلنتكاتف جميعاً ونجعلها مرحلة لتعزيز علاقاتنا بأنفسنا وأسرنا وأبنائنا، ونخرج إلى عالم ما بعد «كورونا» بديناميكية اجتماعية اقتصادية٠
** الدكتور سعيد صبري – مستشار اقتصادي دولي- وشريك وممثل اقليمي في صندوق المبادرات – فاستر كابتل- بدبي