ترامب يذهب و«الترامبية» تبقى!
لم يكن منتظراً أن تنتهي ولاية دونالد ترامب بشكل طبيعي مثل كل ولايات الرؤساء. لم يكن ترامب رئيساً عادياً لا في سلوكه السياسي ولا في ممارسته لمنصب الرئاسة. تعاطى مع هذا المنصب كأنه ملك شخصي منحه إياه الأميركيون لتصحيح «خلل» في ممارسة الطبقة السياسية الحاكمة في «مستنقع واشنطن»، وهو «خلل» كما كان يسمّيه، امتد لقرنين من الزمن، على ما قال في خطاب القسم عند توليه الرئاسة قبل أربع سنوات.
لذلك كان صعباً أن يعترف ترامب أن الأميركيين أقدموا على ارتكاب «خطأ» إخراجه من البيت الأبيض. قال في السابق، وعن قناعة كاملة، إن فشله في الانتخابات لا يمكن أن يحصل إلا عن طريق تزوير النتائج. وها هو يفي بتعهده وينقل معركة الانتخابات إلى قاعات المحاكم، على أمل أن يستعيد منها الأصوات التي خسرها في الصناديق!
أخطأ كثيرون من معلقين أميركيين وعرب وسواهم في الاستهانة بمدى نفوذ ترامب في الحياة السياسية الأميركية وفي عدم تقدير حجم الشعبية التي يتمتع بها في المجتمع الأميركي. وهو الخطأ الذي ارتكبته مؤسسات استطلاع الرأي في فشلها في رصد حجم هذه الشعبية. لكن أركان الحزب الديمقراطي ارتكبوا هذا الخطأ أيضاً. كان التقدير أن ترامب ظاهرة عابرة مرت في الحياة الأميركية قبل أربع سنوات، وكان الرهان أن الأميركيين سوف يقومون في هذه الانتخابات بتصحيح تلك الظاهرة بالتصويت ضده بأعداد كبيرة.
لذلك اعتقد الديمقراطيون أن حملاتهم على ترامب بسبب الإخفاق في مواجهة وباء «كورونا»، والكساد الاقتصادي الذي نتج عنه، والاتهامات التي وجهت للرئيس الأميركي بمسايرة العنصريين البيض والحملات التي أطلقها السود الأميركيون ضده، فضلاً عن هجوم أكثر وسائل الإعلام الأميركية المكتوبة والمرئية، ستكون كافية لتحقيق انتصار كاسح أطلقوا عليه «المد الأزرق» في مختلف الولايات الأميركية.
جاءت نتائج الانتخابات لتثبت أن الأمر لم يكن بهذه السهولة. صحيح أن كثافة الاقتراع كانت استثنائية وقاربت 70 في المائة من الناخبين، كما حصد جو بايدن أعلى نسبة من المؤيدين في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأميركية بلغت 71 مليوناً ونصف مليون صوت، بتفوق على ترامب تجاوز 3 ملايين صوت. لكن الصحيح كذلك أن ترامب فاز هذه المرة بأصوات فاقت ما حصل عليه قبل أربع سنوات. وكانت المنافسة شديدة في كثير من الولايات، وفاز بايدن في معظمها بأكثرية ضئيلة، كما أن أصوات السود التي راهن عليها المرشح الديمقراطي بسبب الاتهامات التي لاحقت ترامب بالعنصرية ضدهم، لم تصب كلها لصالحه، وكذلك أصوات الأميركيين من أصول إسبانية أو أميركية لاتينية، وهم الذين اتُهم ترامب باستعدائهم، بسبب قضية الجدار على الحدود مع المكسيك. وفوق ذلك كسب ترامب أصواتاً تمثل المزارعين والطبقة العاملة، في ولايات الغرب الأوسط، من التي يفترض أن تكون تقليدياً القاعدة الشعبية للديمقراطيين، كما كسب أصوات الناخبين البيض الذين تجاوبوا مع شعار «حماية النظام والقانون» الذي رفعه في وجه المظاهرات التي شهدها عدد من المدن الأميركية.
تبين بالنتيجة أن الحرب على وباء «كورونا» أو مقتل جورج فلويد ليسا الهم الأساسي بالنسبة لهؤلاء الناخبين. همهم هو الوضع الاقتصادي وتحسين فرصهم المعيشية والخوف من انهيار مالي جديد يشبه ذلك الذي أصابهم سنة 2008.
شعارات مغرية شعبياً، أمنية واقتصادية ومعيشية، دغدغت مشاعر كثير من الأميركيين، وحرمت الديمقراطيين من تحقيق المكاسب الواسعة التي كانوا يحلمون بها. وأمنت التفاف طبقة واسعة من الأميركيين حول ترامب، تجاوز في بعض الولايات ما حققه قبل أربع سنوات. لم يعد ممكناً الآن إطلاق الاتهامات بدور روسي في فوزه. مثلما ما عاد ممكناً اعتبار ترامب ظاهرة عابرة. صارت وسائل الإعلام تستخدم تعبير «الترامبية» من دون تردد لوصف حالة يمكن مقارنتها بـ«الأوبامية»، لكونها ظاهرة استثنائية وتاريخية في السياسة الأميركية.
الالتفاف حول ظاهرة ترامب أدى إلى انقسام عميق في المجتمع الأميركي المنقسم مناصفة تقريباً بين أنصاره وأنصار جو بايدن الذي أعلن توقعه الفوز في هذه الانتخابات. وسوف يكون هذا الانقسام هو النتيجة و«الإرث» الحقيقي الذي يحمله بايدن على كاهل سنواته السبع والسبعين. كما أن هذا الانقسام انعكس على الكونغرس، حيث فشل الديمقراطيون في استعادة السيطرة على مجلس الشيوخ، كما خسروا مقاعد في مجلس النواب، وسيؤدي ذلك إلى شل يد بايدن ومنعه من تطبيق التشريعات التي يمكن أن تطوي بعض قرارات ترامب.
طبعاً وعد بايدن أن يكون رئيساً لكل الأميركيين، وألا تكون هناك «أميركا زرقاء» و«أميركا حمراء»، بل ولايات متحدة أميركية، لكن الوعد شيء وسهولة تنفيذه شيء آخر. فالكدمات التي ستبقى على الوجه الأميركي بعد انتهاء المعارك القضائية لحسم نتيجة هذه الانتخابات لن تندمل بسهولة. كذلك لن يكون سهلاً على الحزب الجمهوري أن يتخلص من الإرث الذي تركته «الترامبية» حتى لو شاء ذلك. إنها صفحة استثنائية كتبها دونالد ترامب في تاريخ أميركا.
- الشرق الأوسط