ما بين كمال أبو وعر وصائب عريقات... أبو عمار يوحدنا
قبل عدة أشهر جلس إلى جانبي في زنزانة رقم ثمانية في قسم واحد في سجن جلبوع الشهيد كمال أبو وعر كان لا يستطيع التحدث بسبب الورم السرطاني الذي استحكم في حنجرته وأوتاره الصوتية، برغم ذلك تحدثنا مطولا وتناولنا هموم الحركة الأسيرة وهموم شعبنا ومن ضمن ما قال أنه لم يعد هناك مجال للتراجع وأن العمر قد مضى ونحن داخل هذه السجون ولم يعد هناك شيء نأسف عليه ووعدني كما وعد ضابط المخابرات الإسرائيلي بأنه سيخرج وهو لا يملك بيتا ولا أرضا ولا زوجة ولا أولاد وأن كل ما يملكه هو بندقيته التي يحتفظ بها منذ عقدين من الزمن، هذه طريقه التي رسمها لنفسه والتي بقي ثابتا عليها فلم تغير منه سنوات الاعتقال ولم تثنه كل عذابات السجون فهو قد آمن بأن الانتصار لا يأتي إلا عبر الكفاح وان هذا الاحتلال لن يزول إلا اذا شعر بأنه يتكبد الخسائر وأن ثمن احتلاله مكلف جدا فهذه الطريق هي الوحيدة أمامنا كما باقي شعوب الارض أجمع.
من هذه الرؤية كان ينطلق الشهيد كمال أبو وعر وكان يجادل حول نظرته هذه كثيرا، فهو لا يرى بديلا عن القوة لردع الاحتلال وتحصيل الحقوق الوطنية.
على الوجه الآخر وفي نفس الفترة الزمنية تحدثت مع الشهيد الدكتور صائب عريقات وهو في واشنطن حيث أخبرني أنه عائد بعد يومين لأرض الوطن وأننا سنتحدث بعد عودته، ومرت الأيام ولم أستطع بسبب ظروف السجن التواصل والتحدث مجددا معه. الدكتور صائب عريقات آمن منذ اليوم الأول له بالعمل السياسي بالمفاوضات وأنها الطريقة الأمثل لحل النزاعات وتحصيل الحقوق الوطنية، فقد أمضى أكثر من ثلاثة عقود وهو يناضل بطريقته الخاصة فهو الذي ألف كتاب الحياة مفاوضات وهو الذي تنقل مئات المرات بين عواصم دول العالم ليحمل هم الشعب الفلسطيني ولينقل رواية هذا الشعب المظلوم ويدافع عنها أمام العالم أجمع، وقد شارك في المئات من المؤتمرات والندوات السياسية والحوارية وذلك تعزيزا لفكرته القائلة بأن المفاوضات هي الطريقة الأسلم لتحصيل حقوقنا. وقد شارك إلى جانب الرئيس الشهيد أبو عمار وخليفته الرئيس محمود عباس في جولات التفاوض المعقدة للغاية مع الجانب الإسرائيلي والأمريكي، وقد أمضى نصف حياته يحمل هذا الجواب ويدافع عن هذا الخيار الذي اعتقد جازما أنه الخيار الأنسب لشعبنا في الظروف الدولية والإقليمية الحالية،وقد رحل الدكتور صائب عريقات وهو لا زال يؤمن بهذا الخيار.
كان يوم ١١/١٠ يوم التقاء روحي الشهيدين كمال أبو وعر وصائب عريقات اللذين رسما طريقين مختلفين لحمل الهم الفلسطيني وقد غلفت روحهما روح الشهيد القائد أبو عمار الذي سار بنفس الطريقين بالتوازي فهو الذي آمن بالكفاح المسلح منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية، وقد قاد هذا الكفاح لثلاثين عاما متواصلة وبعد اقتناعه بضرورة اللجوء لخيارات ووسائل أخرى اختار الوسائل الدوبلوماسية والسياسية لتحصيل الحقوق الوطنية الفلسطينية، هذا النموذج الذي وحد خطابه ووحد أهدافه وكان صمام الأمان لكل الفرقاء في الساحة الفلسطينية، يحضر اليوم مجددا ليقول لكمال أبو وعر وللدكتور صائب عريقات بأنكما على حق وبأن فلسطين بحاجة لكل جهد وكل وسيلة مهما كانت وأيا كانت لتحقيق الهدف الأسمى لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
- عن القدس