جريس سماوي .. بالضبط في بيت أمي وبين إخوتي

2021-03-15 11:09:19

في مطلع تسعينيات القرن الماضي التقيت للمرة الأولى بجريس سماوي، التقيت به في بيت أمي في حي الرابية في عمان، لم ألتقِ به في حدث ثقافي أو أمسية شعرية أو مهرجان أو مؤتمر من تلك التي كانت تزدحم فيها تلك العشرية، بالضبط في بيت أمي وبين إخوتي.

كنت عائداً للمرة الأولى بعد غياب 13 عاماً، الشاعر حيدر محمود الذي كان سفيراً للأردن في تونس أمسك بيدي وسهل عودتي بلطفه ومبادرته واتصالاته.

كان كل شيء قد تغير واختلف، ذكريات كثيرة تراكمت في بيت العائلة في غيابي، ذكريات لم أكن فيها، صور كثيرة لم أظهر فيها وزمن لم أشهده، وأصدقاء وصديقات وضحك وقصص تحولت عبر إعادتها إلى طرائف، أكاد أكون المتلقي الوحيد المندهش أمام انهمارها.

جريس كان هناك، يتحرك بألفة ويضحك في الغرفة وينتظر نضوج الدالية.

كان صديقاً قريباً لشقيقي الأكبر زهير، درسا معاً رسالة الماجستير في الجامعة الأردنية، إذا لم تخني الذاكرة، وتحولت تلك الصداقة إلى جسر بين الرابية والفحيص جمع العائلتين، عندما وصلت كان ذلك الجسر قائماً ومطروقاً، وكانت أمي تتحدث عن جمال «الفحيص» وطيبة أهل جريس.

فيما بعد ومن خلال زيارات متباعدة، بعد أن عدت إلى تونس وعبرت فترة عاصفة من حياتي، ستنمو صداقتنا وسنبدأ ببناء ذكريات خاصة بنا، كانت تلك مرحلة تسلمه لمسؤوليته كنائب لمدير مهرجان جرش الصديق الدمث الكريم أكرم مصاروة.

في تلك الفترة استعدت صداقات عصفت بها الغيبة الطويلة واكتشفت عن قرب وبدهشة عميقة جمال أبو حمدان وأحضرته إلى بيتنا، وتوثقت علاقتي بجريس سماوي.

الأمر أن استحضار جريس للذاكرة هو استحضار لكوكب من الصداقة والأسماء الجميلة، حضوره الخاص كان يمنح تلك الذكريات شعاع الرفقة، كان هناك أحلام بتحويل مهرجان جرش، الشعر على وجه الخصوص، إلى ملتقى أكثر عمقاً وتأثيراً من مجرد ترتيب الأمسيات ووضع جداول القراءات، تلك أحلام سعى خلفها جريس وحقق الكثير منها، كان المهرجان منطقة لقاء وحوار بين التجارب والأجيال، منطقة جدل تسندها أسماء وخبرات وندوات فكرية ونقدية، دون إقصاء ودون رقابة أدبية أو سياسية.

كان لدينا تلك الفكرة التي لم تكتمل، تتبع رحلة «راشد الحدادين» من الشوبك إلى رام الله، كان مأخوذاً بتلك الرحلة وبشخصية «الحدادين»، وكان يصر على أن راشد الحدادين وصل إلى «الفحيص» ومن هناك أكمل رحلته للغرب. لم نكمل العمل، أخذتنا الحياة بعيداً.

جريس سماوي وحبيب الزيودي وزياد عناني، ثلاث تجارب صعدت بقوة في تلك العشرية في المشهد الأردني، ثلاثة شعراء كانوا يشبهون أنفسهم بغرابة ودهشة، ثلاث تجارب مختلفة ولكنها تركت أثراً عميقاً متعدداً وخاصاً، أناقة جريس ورقة روحه التي انطبعت في قصيدته كما لو أنها مرآة مخلصة، تمرد حبيب وغنائيته المحملة بلهجة الأردنيين العميقة، والسلالم المدهشة التي يبنيها زياد، شفاه الله، بين جماليات النص وتمرد الروح.

ليس إلا المحبة، هذا ما يظل.