إجازة الربيع

2021-04-01 12:00:13

مر زمن طويل على ذكريات لا تنسى، اختزنها القلب وحفظها العقل، حتى عادت مناسبة سنوية لكي أتذكر وأتحسر، والواقع أننا في تلك الأيام كنا نمتلك من الطيبة والبساطة بحيث نرى الدنيا ربيعا فعلا، والجو بديعا كثيرا جدا، ولم يكن أمامنا الكثير من المواضيع التي يجب عدم الخوض فيها، فحياتنا بسيطة هانئة، وأمامنا الوقت للجلوس لتأمل جمال فصل الربيع، حتى صدقنا أن هناك إجازة مدرسية من عشرة أيام كل عام تأتي مع الأسبوع الأخير من شهر آذار، وهدفها فقط التأكيد على أن الربيع لا يضاهيه في جماله أي فصل من الفصول، وعلينا أن نحتفل بإجازة الربيع.

كنا صغارا أبرياء، وكان أبي يهز رأسه بحسرة حين نذكر إجازة الربيع والتي علينا أن نستغلها في البيت وفي رحلات قصيرة إلى القرى الشرقية المحاذية لمدينتنا الجنوبية، وحيث موسم قطف اللوز الأخضر، والعدس الأخضر، وكل شيء أخضر قد يخطر ببالك سواء أكان صالحا للأكل أم لمجرد أن تنتعش بمشاهدته وتشم رائحته، فهناك في تلك القرى الصغيرة، وحيث كونت أمي علاقات طيبة مع أهلها بحكم عملها كمعلمة في مدرسة ابتدائية تكاد تكون الوحيدة فيها، وكانت مدرسة مشتركة، كانت تتلقى الدعوة من بعض الأهالي لزيارة حقولهم مع أفراد أسرتها، وهكذا كنا نخرج صوب الحقول ونغني «الدنيا ربيع والجو بديع».

تلك الزيارة السنوية لربوع البلاد الخضراء كنا ننتظرها من العام إلى العام، وكان أبي يلفتنا بحرصه على فهم تاريخ تلك البلاد، فيؤكد لنا كل مرة أن إجازة الربيع ليست احتفالا بالربيع، ولكن لتفويت فرصة اندلاع التظاهرات الطلابية في ذكرى يوم الأرض، وهو يوم إضراب شامل في الداخل المحتل، وحيث تنطلق تظاهرات الطلاب في كل مكان، ونظراً لهذا التاريخ المهم فقد قررت إدارة التعليم التي كان يشرف عليها الاحتلال ويخضع التعليم كما الصحة وباقي الحياة المدنية لحكومة الاحتلال، ان تكون هناك إجازة قبل وبعد هذا التاريخ لكي تنسى ذاكرة الصغار هذا اليوم، وقد كنا ننسى أن هناك يوما للاحتفال بيوم الأرض لأننا فعلا لم نكن نلتقي مع بعضنا البعض في المدارس، وتشغلنا الإجازة، لكن كانت الأخبار تتوارد عن شهيد أو اكثر في تلك المناسبة، وهكذا صحونا من الغفلة وعرفنا وتعلمنا أن الغرض ليس الاحتفال بفصل الربيع.

وهكذا كانت إجازة الربيع بمثابة خدعة، بدأت تفقد رونقها وحبنا لها وانتظارها مع تقدمنا في العمر، وحين اصبحنا كبارا وتقدمت أمي في العمر وأدركت ذلك فعلا حين انتقلت لمدرسة في قلب المدينة، وغابت أخبار أصدقائها في تلك القرى، وان بلغتها أخبار سيئة عنهم بهجرة الأبناء ورحيل الآباء والأمهات عن الدنيا، ولكن ما كان يؤلمها أكثر الأخبار التي تصلها عن تجريف تلك الأراضي الزراعية الخضراء وسيطرة الاحتلال على أجزاء منها واقتلاع الأشجار التاريخية فيها لتوسيع الحدود.

هكذا أيضا تعلمنا معنى عبارة دس السم في العسل، فبقدر ما كنا ننتظر إجازة الربيع بقدر ما كان وراء يوم الأرض والاحتفال به ذكرى مؤلمة لشهداء سقطوا دفاعا عن الأرض، ذكرى لم يتوقف عن روايتها أبي كل عام، بكل تفاصيلها وعدد شهدائها، حتى سخطت بداخلي على سذاجتي لفرحة بإجازة سنوية كنت أنتظرها مع إخوتي كل عام، ولم تكن إلا مخططا مثل المخططات التي يسعى الاحتلال من خلالها لكي ينسى الصغار، وبموت الكبار سوف تمحى من الذاكرة ذكريات الأرض وحبها والتمسك بها.