عن جواز سفر لقاح «كورونا»
مع استئناف السفر، يكتشف المسافرون حول العالم أن اختيارهم لنوع معين من اللقاحات المضادة لفيروس كورونا هو ما يمكن أن يحدد الدولة الذي يُسمح لهم بالذهاب إليها، وليس أموالهم أو رغباتهم أو أي شيء آخر، وهذا بسبب ما أصبح يسمى «جواز سفر اللقاحات»، حيث سيظهر المستند الذي سيصدر بشكل رقمي أو ورقي، ما إذا كان الأشخاص قد حصلوا على لقاح «كورونا»، ونوع اللقاح ومكان التلقيح، ومستوى الأجسام المضادة، ونتيجة اختبار «كورونا» واختبار مولد المضادات السريع.
وهذا ستنتج عنه مشكلة كبيرة، والتي تتمثل بعدم الاعتراف المتبادل للحكومات لمختلف اللقاحات، في وقت لا تزال فيه صناعة السفر العالمية البالغة قيمتها 9 تريليونات دولار مشلولة فعليا منذ بداية الوباء، وهذا من شأنه أن يفاقم أزمة صناعة السفر حول العالم، وتعتبر صناعة السياحة العالمية واحدة من أكثر القطاعات تأثرا بجائحة كورونا، إذ بلغ حجم الخسائر 1.3 مليار دولار خلال العام 2020 فقط، وفقا لمنظمة السياحة العالمية.
ووفقا للعديد من الخبراء، يمهد «جواز سفر اللقاح» لوضع أكثر خطورة، وهو «تقسيم الشعوب حسب اللقاح»، حيث يمكن أن تحدد الجرعة التي يحصل عليها الشخص البلدان التي يمكنه الدخول إليها والعمل فيها، وبالتالي سيشهد العالم مخاطرة ينقسم فيها الاختيار على قومية اللقاحات بدلا من الضرورة الطبية. ويؤكد نيكولاس توماس الأستاذ المشارك في الأمن الصحي بجامعة هونغ كونغ أن «التقسيم العالمي للشعوب» القائم على تبني اللقاح لن يؤدي إلا إلى تفاقم الآثار الاقتصادية والسياسية للوباء واستمرارها، ويخاطر بانقسام العالم إلى صوامع على أساس قومية اللقاح وليس الضرورة الطبية.
وعلى أرض الواقع، فإن ملايين الأشخاص الذين حصلوا على جرعات من صانعين صينيين مثل سينوفاك» و»سينوفارم»، من المحتمل أن يتم منعهم من الدخول لدول الاتحاد الأوروبي، وحتى بالنسبة للمواطنين الصينيين الذين يذهبون لأميركا وأوروبا بانتظام، وتلقوا لقاحا صيني الصنع، فإنه من المحتمل أن يتم منعهم من دخول أراضي الولايات المتحدة أو أوروبا، حيث لم تتم الموافقة على اللقاح الصيني في هذه البلدان.
ومن شأن ذلك أن تكون له عواقب وخيمة على النشاط التجاري العالمي وإحياء السياحة الدولية، ففي العام 2019، سافر 155 مليون صيني إلى الخارج بهدف السياحة، حيث أنفقوا أكثر من 133 مليار دولار بحسب أكاديمية السياحة الصينية.
ورغم ذلك، سيفتح اعتماد البرلمان الأوروبي، جوازات سفر لقاح «كورونا» الرقمية والورقية – الذي تم بالأمس - الباب واسعا أمام مرحلة «جواز سفر اللقاح». وخصوصا أن اعتماد وكالة الأدوية الأوروبية، للقاحات الأميركية، سيتيح حرية السفر بين دول الاتحاد وأميركا.. فايزر - بايونتيك، موديرنا، وجونسون آند جونسون، وقد وافق أعضاء البرلمان الأوروبي على أن جوازات السفر الصحية الأوروبية الجديدة الخاصة بلقاح «كورونا»، يجب أن تكون سارية لمدة لا تزيد على اثني عشر شهرا.
ومن المعلوم بأن الاتحاد الأوروبي، الذي تأثر اجتماعيا واقتصاديا بالفيروس إلى حد كبير، لم يستطع تحمل الضغط المستمر على بعض الدول الأعضاء التي يعتمد اقتصادها على السياحة، ولذلك قرر استخدام جواز سفر اللقاح، الذي اعتبره البعض حتى وقت قريب تطبيقا لـ»نظرية مؤامرة»، لتسهيل القيام برحلات دون قيود.
ورغم أن إسبانيا واليونان أيدتا هذه الفكرة، لكن دولا مثل فرنسا وألمانيا وبلجيكا عارضت الفكرة خوفا من أن اللقاح لا يزال غير متاح للجميع وقد يؤدي إلى غياب العدالة.
ولكن بعد الترتيبات التي اتخذتها مفوضية الاتحاد الأوروبي وكذلك إقناع المعارضين بالموافقة، بدأ العمل على «جواز سفر اللقاح» رسميا بعد مؤتمر صحافي لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والتي تحدثت عن أن هدف هذه المبادرة هو منح المواطنين إمكانية السفر بحرية دون قيود داخل الاتحاد الأوروبي.
ومن المتوقع أن يبدأ استخدام جوازات سفر اللقاح في حزيران المقبل، لكن فشل الاتحاد الأوروبي في جميع مراحل جائحة كورونا يثير تساؤلات حول الخطة الزمنية لاستعدادات منح شهادات اللقاح وإدارة العملية بأكملها.
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أنّنا نفتقر إلى الكثير من المعلومات المطلوبة لكي تكون هذه الجوازات بديلاً من الحجر الصحي وحظر السفر، ما زلنا لا نعرف ما يكفي عن فعالية جميع اللقاحات أمام كل السلالات، ولا نعرف بالضبط إلى متى تستمر الحماية التي يوفرها اللقاح. وقد يخلق ذلك إحساساً زائفاً بالأمان على اعتبار أن أولئك الذين تم تلقيحهم لم يعودوا معرّضين لخطر الإصابة بالعدوى أو حتّى نشرها.
وترى الدكتورة تاليا عراوي، مسؤولة الأخلاقيّات الإحيائيّة في الجامعة الأميركيّة في بيروت، أن جوازات اللقاحات وسيلة للعودة إلى حياة اجتماعية واقتصادية أكثر طبيعية حتى في داخل البلد نفسها، لكن الفوائد التي تنتج عنها ستوزّع بشكل غير متساوٍ على الأفراد، وستنتهك مبدأي العدالة والإنصاف. فالواقع الحالي يوضّح أنّ توزيع اللقاح غير متكافئ بين منطقة وأخرى، وحتى داخل المنطقة الواحدة نفسها.
وعلينا ألا ننسى بأنه في الأمن السيبراني، فإن تزوير ما بات يعرف بـ»جوازات سفر لقاح فيروس كورونا» يتسع بشكل متزايد عبر الإنترنت، مع وجود عمليات احتيال سريعة النمو تثير القلق.
على كل حال، لم يكن بالأمر الجديد مطالبة الدول بشهادات التحصين، فمنذ عقود تطلب بعض البلدان بالفعل شهادات تحصين لأمراض مثل شلل الأطفال والحمى الصفراء لمنع الانتشار العالمي، حيث حمل المسافرون الدوليون «شهادات التطعيم الدولية» المعتمدة من قبل منظمة الصحة العالمية، لكن الموضوع يتطلب، رؤية أكثر عدالة، وتعاونا عالميا.