«حزيران الذي لا ينتهي»!
واحد ما، لا أذكر اسمه، وضع ذلك العنوان لكتاب، أو رواية، أو قصيدة. هل إن القول قبل القائل في أهميته، أم بالعكس؟.. «حيالّا أو سيّان».. العالم تخربط ومفاهيمه تخربطت!
ما الذي في بالي في هذا الحزيران من عامنا هذا 2021؟ هل قبع أو خلع «ملك إسرائيل» ـ «مليخي ليسرائيل»، نتنياهو، عن كرسي الحكم، أو قمة في القاهرة للرئيسين السيسي وعباس، بحضور قادة الفصائل، لطيّ صفحة حزيران الثالث الفلسطيني 2007.. وإزالة آثار الانقسام؟
هل تغيّرت مصر، أم العالم، أم الفلسطينيون؟ فقبل حزيران الأول، النكسوي، كانت مصر الناصرية تقود العالم العربي. إليكم برهاناً هذه الواقعة المنسية: قاطع عمّال موانئ أميركيون تفريغ الباخرة المصرية «كليوباترا»، ضغطاً منهم على مصر لمرور سفن إسرائيل في خليج العقبة، أو لأن ناصر اختار موسكو لا واشنطن لبناء سدّ أسوان العالي. ردّ عمّال الموانئ العربية بمقاطعة تفريغ السفن الأميركية. الآن، هذا العالم العربي مضغوط دولياً وليس ضاغطاً! أميركا تساعد مالياً: إسرائيل، مصر، الأردن.. وفلسطين!
منذ حزيران الفلسطيني الثالث 2007، اندلعت ثلاث حروب غزّية ـ إسرائيلية، وفيها كانت مصر وسيطاً أمنياً سويّة مع أميركا، التي عادت مع السيد بايدن وسيطاً سياسياً بين إسرائيل والفلسطينيين. صور الرئيس السيسي مرفوعة في شوارع غزّة، والناس، عرباً وفلسطينيين، كأنهم غفروا لمصر لعنة «كامب ديفيد»، بعدما تفشّى «سلام إبراهيم» أو «أبراهام.. أو أبرام».
كثيرة هي أسئلة الحروب الحزيرانية الثلاث (1967، 1982، 2007) وقليلة هي إجاباتها. ما هو اسم جنرال ضربة الطيران الإسرائيلية في حزيران الأوّل النكسوي الكبير؟
لا أذكر، سوى قوله بعد «حرب الأيام الستة»: «صرفنا 11 عاماً ونحن ننام مع الخطة، ونصحو على الخطة»، وهي الفترة بين «حملة قادش» العام 1956 على مصر واحتلال سيناء، التي نسميها «العدوان الثلاثي»، وبين حزيران الأول 1967، الذي لا ينتهي حتى الآن، لأن سلام «كامب ديفيد» الساداتي ـ البيغني ـ الكارتري، لم يتحقق في «إزالة آثار العدوان»، فالجولان السوري بقي محتلّاً (بل تدمّرت سورية بعد العام «العربي الربيعي» 2011، والضفة الغربية لم يحررها بعد هذا الأوسلو ولغطه الذي لا ينتهي!
حرب حزيران الأولى 1967 بدأت في اليوم الخامس منه، وانتهت في اليوم الحادي عشر، لكن حرب حزيران الثانية الفلسطينية ـ الإسرائيلية في لبنان، بدأت في الرابع منه، ودامت 80 يوماً. صمدنا وانكسرنا، وخسرنا هانوي الكفاح الفلسطيني المسلّح.
كان لي من العمر، في حزيران الأول 22 ربيعاً، وكنت في دمشق الشام، وكان لي من العمر 38 سنة، في حزيران الثاني الفلسطيني ـ الإسرائيلي (أو الحرب الرابعة العربية ـ الإسرائيلية) مع أن السادات قال بعد حرب عبور أكتوبر 1973، لإزالة «آثار العدوان»، إنها آخر حروب الجيوش العربية مع إسرائيل، قبل أن تحترب مع شعوبها!
حزيران العربي 1967 عشته على جلدي في الشام، وحزيران الفلسطيني ـ الإسرائيلي الثاني في لبنان عشته على لحمي.. وأمّا حزيران الثالث فإنني أعيشه على عظامي. هل في العمر بقية لأعيش حزيران الرابع ليكون حزيران الأبيض الفلسطيني، باعتبار أن حزيران القومي الأوّل كان أسود للجيوش والأنظمة معاً؛ والثاني الفلسطيني ـ الإسرائيلي في لبنان 1982 كان أحمر، والفلسطيني ـ الفلسطيني الثالث في غزّة انتحل له، زوراً، اللون الأخضر. بذلك ربما علينا أن نعيد تسمية ألوان علمنا الوطني الرباعي بعدد ألوان مواقعنا ـ مناقعنا الحزيرانية.. الكوارث «انتصارات» وهذه كوارث!
حزيرانات حروب الجيوش تكسر الجيوش والأنظمة بالجيش الذي لا يقهر، لكن حزيرانات حرب الجيش الذي لا يقهر لم تكسر ظهر الشعب الفلسطيني، وإن بدا أن النكبة كسرت ظهره، لكن العام 1965 عاد الشعب للوقوف على قدميه مع بندقية بعد معركة الكرامة 1968.
منذ ذلك الانتصار الفدائي، بالاشتراك مع الجيش الأردني، حتى العام 1993 الأوسلوي، انتهت مرحلة الحروب الأهلية العربية ـ الفلسطينية، ومرحلة البندقية الفلسطينية على منكب عربي رخو، إلى صخرة فلسطينية على صدر إسرائيل، كما تجلى ذلك في الجولة الغزّية ـ الإسرائيلية الخامسة (لأن حشود تظاهرات الحدود والسلك 2018 تحت شعار «العودة وكسر الحصار»، كانت شكلاً رابعاً من أشكال الحروب الغزّية ـ الإسرائيلية).. خسائرنا بالمئات وخسائرهم صفر!
***
جولات المصالحة و»رأب الصدع» الفلسطيني، بدأت مباشرة بعد الانقسام 2007 فلسطينية ـ فلسطينية بوثيقة الأسرى، وصارت لاحقاً فصائلية ـ عربية، ثم فلسطينية ـ إقليمية.. والآن كل ذلك: فلسطينية ـ عربية ـ دولية.
سويّة مع هذا، بدأت مرحلة الاحتراب العربي بعد انتفاضات الربيع العربي، وكانت أهلية أوّلاً، ثم صارت عربية ـ عربية، وانتهت إلى عربية ـ إقليمية ـ دولية، كما في سورية واليمن وليبيا، حيث صار الوسيط إمّا أمميا أو لكل احتراب منها وسيط من دولة أجنبية، كما في اليمن وليبيا.
الآن، عادت أميركا والعالم إلى «حل الدولتين»، لكن مفتاح ذلك هو إزالة آثار الانقسام الفلسطيني، بعد أن فشلت الحرب العربية ـ الإسرائيلية 1973 في إزالة آثار حرب حزيران 1967.
كم يبدو حال العالم العربي مختلفاً بين الحقبة الناصرية، والسفينة «كليوباترا»، ثم انقسام العرب بعد سلام مصر ـ إسرائيل، ثم الانقسام الفلسطيني، ودور مصر وسيطاً لإنهائه؟
«مات الملك، عاش الملك» .. أو أن كرادلة روما بعد موت بابا وانتخاب بابا جديد، ينتظر العالم المسيحي منهم «دخاناً أبيض» لبابا جديد.
هل من المبكر القول، إن قمة القاهرة بحضور السيسي وعباس، وقادة الفصائل، يمكن أن تطلق دخان المصالحة الفلسطينية الأبيض، وإزالة آثار الانقسام الفلسطيني في حزيران الثاني 2007.. ولعلّه بوّابة العودة إلى «حلّ الدولتين»!