جنة أبي الصغيرة

2021-08-10 09:19:49

في الجيب الصغير داخل بطانة الجاكيت كان أبي يضع نقوده المعدنية، وكنت صغيراً جداً معتاداً على الوقوف على كرسي، وهز الجاكيت المعلق لأستمتع بصوت النقود وهي تخرخش في أذني مثل موسيقى أمان غامضة. وبعد سنين قليلة تجاوزت الاستمتاع بالصوت إلى مد يدي والاستمتاع بملمس النقود، ثم تطوّر الأمر إلى إخراج بعض القطع المعدنية ووضعها في جيبي، ثم الخروج من البيت متسللاً لأشاهد خمسة أفلام بتذكرة واحدة في سينما الوليد برام الله.
لم تكن معي هذا الصباح قطع معدنية صغيرة، فطلبت من أبي الثمانيني خمسة شواكل أجرة السيارة إلى المدينة، فأشار لي إلى الجاكيت، لم أضع كرسياً لأصعد وأقطف أشهى الثمار، وقفت أمام الجاكيت وجهاً لوجه، مددت يدي مخرجاً قطعة معدنية صغيرة، مستذكراً بابتسامة لا شعور بالذنب فيها طفولتي كلص أحمق صغير.
خرجت إلى عملي في المدينة، وحين وصلت سينما الوليد التي هدمت في منتصف الثمانينيات، ابتسمت ودخلت، أمضيت خمس ساعات أشاهد أفلامي الخمسة مبهوراً متمنياً لو أن الحياة كلها سينما.
خرجت من السينما عند الساعة الثامنة مساء مع عشرات الأشخاص دائخاً مغبش العينين، كانت رام الله فارغة من السيارات والناس، وجنود الاحتلال يفرضون منع التجوال بمكبرات الصوت، مشيت مسرعاً تجاه كراج الباصات الذي يقع خلف السينما لأعود إلى المخيم، لم أجد باصات ولا ناساً، همت على وجهي في فراغ المدينة، مختبئاً من رصاص المحتلين وراء البنايات وتحت الأشجار في الحواكير، شعرت بجوع وخوف، والليل كان شديد البرودة.
لساعات طويلة في ليل رام الله المخيف وتحت شجرة توت ضخمة، كنت أغمض عيني متخيلاً اللص الأحمق الصغير وهو يمد يده ووجهه داخل جنة أبيه الصغيرة، هناك في جاكيته الأسود المقلّم.