المنتجات الوطنية.. بين الدعم والمنافسة الحقيقية

2021-12-25 09:48:57

لا يوجد جدال بأن المنتجات الوطنية التي يتم إنتاجها محلياً وبأنواعها، قد تطورت وتحسنت من ناحية الجودة والنوعية ومحاولة التوازن مع منتجات غير وطنية، أي مستوردة، سواء من إسرائيل أو من الخارج، وأنها قطعت شوطاً من السهل إثباته من خلال الفحوصات أو الالتزام بالمواصفات والشروط المحلية والدولية، ورغم التقدم واستثمار الكثير من الأموال والكفاءات البشرية والتكنولوجيا من أجل مواكبة المنتجات الأخرى، إلا أنها لم تستطع حتى الآن الاستحواذ على أولويات المستهلك الفلسطيني، وبالتالي أن تتبوّأ المركز الأول في السوق الفلسطيني، وهذا ينطبق على الصناعات المحلية المختلفة.
حيث رغم ذلك ما زال المستهلك الفلسطيني، أو جزء مهم من المستهلكين، يقبل على المنتجات الخارجية بأنواعها، ولا يعتبر المنتجات الوطنية أولوية، رغم كل الحملات والنداءات المتكررة من أجل دعم والإقبال على المنتجات الوطنية، ورغم أن هناك منتجات وطنية ومنها الأدوية، يتم تصديرها وبنجاح إلى دول عديدة في العالم، عربية وغير عربية، وبالتالي لماذا نرى أن المستهلك الفلسطيني ليس قريبا، أو لا يعطي الأولوية للمنتج الوطني إذا كانت الأسعار متقاربة؟ ومن هي الجهات المسؤولة عن ذلك.
ويتواصل هذا الوضع رغم التوجه الحكومي الرسمي، وكذلك الدعوات الشعبية، من أجل الابتعاد عن المنتجات أو البضائع الإسرائيلية التي تشكل النسبة الأكبر من إيراداتنا، وبالتالي من استهلاكنا، وبالتالي التوجه نحو المنتج الوطني، حيث تبرز صناعات وطنية شكلت معلماً مهماً وتطورت خلال السنوات الماضية، من حيث الجودة والنوعية، ومنها الصناعات الغذائية والدوائية، التي لا يمكن للمستهلك الفلسطيني الاستغناء عنهما، وبالإضافة إلى صناعات أخرى تتعلق بالإنشاءات والخدمات والتكنولوجيا وغيرهما.
ومن أجل أن ينجح الإقبال على وتشجيع المنتجات الوطنية، فمن المفترض أن نبتعد عن الجانب العاطفي الانفعالي الذي نعتاد عليه، وبأن تأخذ إستراتيجية الأولوية للمنتجات الوطنية عدة أمور وجوانب، من أهمها الحاجة إلى وجود مرجعية أو إطار وطني شامل يقف ويتابع الإستراتيجية وليس فقط الشعارات التي اعتدنا عليها، وينسق الخطوات، ويدرس الظروف والبدائل، ويحدد المعيقات والمشاكل، ويعمل على وضع الأسس الموضوعية لضمان استمرار الإقبال على المنتج الوطني، وهذا الإطار من المفترض أن يعمل على أرضية الفوائد أو الإيجابيات التي يمكن أن تؤدي إليها حملات تشجيع المنتجات الوطنية للناس، سواء على صعيد المستهلك الفلسطيني، أو التاجر أو القطاع الخاص أو القطاع العام.
ومنها كذلك التوجه إلى المستهلك أو المواطن الفلسطيني، والذي هو اللبنة الأساسية لنجاح هذه الحملات، كما هو كان وسوف يكون حجر الأساس لنجاح حملات أخرى، في الماضي أو في المستقبل، هذا المواطن، من المفترض أن يتم التواصل معه وبشكل فعال، سواء من أجل توعيته أو إقناعه بأهمية وبفوائد هذه الحملات، وبأن يتم التبيان له أهمية ذلك من النواحي المختلفة، أو حتى إرشاده للبدائل المتوفرة، أي البدائل التي يتم تصنيعها محلياً، سواء كانت غذائية أو دوائية أو مستحضرات تجميل أو مواد بناء وإنشاءات أو خضاراً أو فواكه، وما إلى ذلك.
وكذلك التوجه إلى التاجر أو المستوردين من التجار، وإعلامهم بوجود البدائل الوطنية التي تتمتع بالجودة والسلامة والسعر المناسب، والذي يمكنهم إحضارها وعرضها في محلاتهم ومن ثم بيعها إلى المستهلك أو الذي اعتاد على أن يتعامل معهم، وإذا حدث وأن قمت بزيارة إلى محلات تجارية في إحدى المدن أو القرى الفلسطينية، فستجد بضائع خارجية من أنواع مختلفة، وإذا سألت التجار أو الموردين عن ذلك، فسوف تكون الإجابة بعدم وجود بدائل، أو بضعف الجودة، أو باستمرارية طلب المستهلك للبضائع الأجنبية، أو حتى بعدم اقتناع التاجر بجدوى أو فعالية أو أهمية حملات الإقبال على المنتجات الوطنية.
ولكي ينجح المنتج الوطني كبديل، ومن ثم يبقى أو يستديم كبديل للمنتج الأجنبي، من المفترض أن يكون ذلك على أسس صحيحة، وأهمها التركيز على الجودة أو النوعية، أي كفاءة وفائدة المنتج أسوة بالمنتجات المستوردة، وبالتركيز كذلك على سلامة أو على أمان أو عدم خطورة المنتج الوطني، ولتحقيق ذلك كان من المفترض العمل المتواصل من قبل الجهات المعنية، لترسيخ هاتين الصفتين للمنتج الوطني، أي الجودة والسلامة، في أذهان المستهلك الفلسطيني، والتاجر الفلسطيني والمنتج وصاحب القرار.
وهناك كذلك موضوع الأسعار، أو التلاعب بالأسعار، ودون رقابة أو أخذ الاعتبار لوجود رقابة، سواء من حيث رفعها، أو ربما من حيث تخفيضها وإغراق السوق بمنتجات إسرائيلية مثلاً بأسعار رخيصة لإبعاد المستهلك عن المنتجات الوطنية، كما يبدو أنه حدث في حالات معينة في الماضي، من خلال إغراق السوق الفلسطيني بالخضار والفواكه الإسرائيلية، والادعاء أنه لا يوجد بديل أو كمية كافية من الإنتاج الوطني المشابه، وبالتالي من المفترض أن تعمل الجهات الرسمية والشعبية وبحزم في هذا الصدد لكي لا تحدث عملية إغراق الأسواق وبمنتجات أجنبية مختلفة.
وأخيراً هناك دور وسائل الإعلام وبأنواعها المختلفة، والتي هي ضرورية لبدء ومن ثم استمرار ونجاح حملات تشجيع المنتجات الوطنية، كما كان دورها مهماً خلال حملات مختلفة في الماضي، وكذلك من أجل ترسيخ ثقافة حماية المستهلك وفي بناء خطوط التواصل معه، سواء من خلال عملية صياغة أو تحرير الأنباء التي تصل إليه، أو حول اكتشاف وإتلاف المواد الفاسدة من أغذية وأدوية، أو التلاعب بالأسعار، أو وجود البدائل، أو تلك المعلومات التي يحصل عليها بشكل مباشر، وهذا يشمل الصحف المحلية والإذاعات والتلفزيون، والأهم العديد من المواقع الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي.
وبالإضافة إلى السوق المحلي، ولكي تصل المنتجات الفلسطينية إلى الأسواق الخارجية وتنافس وتنجح، فيجب أن تلبي مواصفات وشروط تلك الأسواق، وهذا على سبيل المثال، فتصدير منتجات زراعية فلسطينية إلى أسواق أوروبية أو أميركية، يتطلب إجراء الفحوصات الضرورية لبقايا المبيدات والمواد الكيميائية في المحاصيل الزراعية أو منتجات التصنيع الغذائي، وإتباع المواصفات فيما يتعلق بالتعبئة والتغليف والتخزين وما إلى ذلك، وهذا يعني وجود المختبرات المؤهلة والمعتمدة لإجراء الفحوصات، ويعني كذلك وجود الكفاءات المدربة والمعدة للقيام بذلك، وهذا يعني كذلك توفر المصداقية والنزاهة والاعتراف بذلك من الجهات المستوردة، والأهم كذلك وجود الجهة التي ترعى وتدعم إستراتيجية التصدير وفتح أسواق جديدة.
ومره أخرى، ومن أجل أن تنافس المنتجات الوطنية وتواصل المنافسة، من المفترض أن تعمل كافة الأطراف ذات العلاقة، سواء أكانت جهات رسمية أو مؤسسات شعبية، لتشكيل إطار يحوي خبراء ومختصين وناشطين، يعمل على وضع أسس موضوعية، تكفل الاستمرار والاستدامة والتوسع في حملات تشجيع المنتجات الوطنية، وبأن تشمل هذه الأسس توفير البدائل، والتركيز على جودة المنتجات المحلية، ومراقبة الأسعار، وإعطاء الأفضلية للمنتج الوطني، وإجراء الفحوصات المخبرية، والتركيز على مواصفات وطنية تحمي المنتج المحلي، وكذلك تفعيل التواصل مع المستهلك والتاجر والمورد أو المستورد، من أجل أن تتبوأ المنتجات المحلية المركز الأول عند المستهلك الفلسطيني وبشكل مستدام.