رئيس الوزراء، تفضل!

2021-12-28 11:11:14

بداية، وقبل أن أرمى جزافا بالتهمة، أود أن أؤكد أنني لا أعمل لصالح أجندات خارجية، ولا لجهات معادية، وما أنا إلا مواطن فلسطيني في منتصف الثلاثينيات من عمري، ولي أحلام كثيرة، دفنتها سياسات الاحتلال أولا، وتراكم ممارسات حكوماتنا العقيمة، وقراراتها المرتجلة المتعسفة على مدار سنوات طوال، ومثلي آلاف الشباب. طمحنا إلى أن نعيش بكرامة، لكنها سلبت منا.

وأعترف الآن أمام الجميع، أنني كنت قد تأملت بكم خيرا، وصفقت لكم كثيرا، وتغنيت بخطبكم الرنانة في البداية. ولكن مع الوقت، وبحكم عملي وقربي من الناس، ومتابعتي لقراراتكم، صدمت بأنها لم تقدم للمواطن شيئا، ولم يشعر بها. رغم أنه لا عيب في أن ينخدع المرء، ولكن العيب في أن يغمض عينا ونصف العين، ويظل مخدوعا وهو يعلم.

أكتب لكم وليس لي مصلحة بمنصب، أو بصاحبه، وليس لي ابن في عمر الوظيفة أو يحتاجها، ولا أقارب ينتظرون استثناء هنا أو هناك. بل أكتب لكم بدافع وطني بحت لنخرج من أزمة الثقة التي أبعدتكم عن الشارع، ومحاولة لإزجاء نصيحة تمكنكم من العودة إلى حضن المواطن. أكتب لكم وأنا على دراية بأنني شخص غير مرغوب به في مجلسكم بعد كتاباتي التي تنتقد عمل الحكومة وخطابها، وأعدكم أنني سأظل أنتقد، وأكتب حول كل من يتقلد منصبا حكوميا عاما، وهذا يعني أنه سيكون في مرمى النقد والمساءلة دائما.

وفي موضوعنا، فإن عشرات الوعود والتصريحات والجمل الرنانة التي يتذكرها كل صغير وكبير خرجت من مجلسكم خلال جلسات الحكومة، والخطابات، والبيانات التي أثارت ردود فعل غاضبة أحيانا، وساخرة أحيانا أخرى. وكلها ناجم عن حالة فقد الثقة بكم أولا، ولضخامتها أمام إمكانات حكومتكم التي تعاني من ظروف صعبة، لكنها ليست جديدة على أي حكومة تعيش تحت "بساطير الاحتلال" وويلاته وحصاره. فمن ذا الذي يجبركم على إطلاق خطب رنانة غير واقعية، ولا تلامس الهم، ولا تقدم للمواطن شيئا مما احتوت عليه؟

إن شعبكم، على مر التاريخ، مناضل ومحارب وذكي، وإن كان عاطفيا، إلا أنه يملك من الوعي ما يمكنه من أن يدرك أقل الأمور؛ من يقدم له ويخدمه، ويعمل لصالحه، ويسير قدما نحو تحقيق آماله وطموحاته، ويبتسم سخرية من تصريحاتكم وخطبكم البعيدة كل البعد عن الواقع الذي يعيشه.

وخلال جولاتكم في المحافظات في الأشهر الأخيرة، أقررتم مشاريع بأرقام فلكية، وفي ذات الوقت تتحدثون عن أزمة مالية، وخصومات من رواتب الموظفين الحكوميين؛ الذين تمثل رواتبهم بالنسبة لكم بيضة الذهب، وتمثل لهم كفاف يومهم، لا يطلبون ثراء من ورائها، وإنما يُصلون ألا تقطع بهم – وهي كاملة -  وهم في منتصف الشهر.

كما أن في ذلك تناقضا واضحا، وقد كنت كتبت حول سيناريوهات هذه الأرقام، واحتمالية أن تكون مشاريع ممولة، ولا صلة لها بالموازنة العامة، إلا أن ذلك لم يكن مقنعا، ولن يكون.

أنتم اليوم أمام مسؤولية وطنية وشعبية أكثر من أي وقت مضى، فحديثكم بالأمس عن نسب البطالة لاقى استياء شعبيا واضحا؛ لأنه لا يمت للواقع بصلة.

كيف؟

ألا تملكون إحصاءات حول عدد من فقدوا وظائفهم بسبب جائحة كورونا؟ ألم تحصوا عدد الشركات والمنشآت التجارية التي أغلقت؟ ألا تعلمون عن عدد المشاريع ورجال الأعمال الذين تضرروا فخرجوا بها إلى دول مجاورة بسبب سياساتكم العقيمة؟ وغيرها...

إن لم تملكوا المعلومة فأنا أملكها، ولدي الأسماء والأرقام....

ألا تعلمون أن هناك من فقدوا وظائفهم وهم يحملون أعلى الشهادات، وتوجهوا للعمل في الداخل، بينما أبناء المسؤولين والمقربين منهم، وزوجات مديري مكاتبكم يعملون جميعا في مؤسسات الدولة؟ إنهم موظفون بلا أي عمل، ويمكنك ان تفحص الأمر دولتك، إن لم تكن تعلم، وستجد ما أقول صحيحا.

أو لا تعلمون عن شباب بعمر الزهور يعملون في الإنتاجية الوطنية التي تحدثتم عنها، ولأكثر من عشر ساعات يوميا، ولكن برواتب لا تتجاوز الألفي شيكل؟

أجبني بالله عليك على لسان عشرات الفلسطينيين الذين تتقاذفهم أمواج الهجرة غير الشرعية، ليصبح أكثرهم طعاما للسمك، أو تنغلق أمامهم السبل في سجون تركيا وغيرها.

ماذا أبقيتم لهم ليبيعوا؟

إن تصريحاتكم حول البطالة بعيدة كل البعد عما يعيشه الشباب الفلسطيني الذي لطالما تغنيتم به، وشعر ببادرة أمل في تصريحاتكم، لكنه أحبط عندما مرت الأيام والشهور دون أن يتغير به الحال، والحال من سيء لأسوأ، إلا على أبناء المسؤولين والمتنفذين؛ فقد أصبحوا أفضل حالا في عهدكم.

تصريحات دولتكم تسببت بموجة غضب وسخرية شعبية كبيرة، تسببتم بها لبعدكم عن الواقع الذي يعيشه العامل والموظف والسائق والكادح. وهم ذاتهم الذين لم يعد أحد منهم يصدق تصريحاتكم أو تصريح أي من وزرائكم؛ لأنها لا تعبر عن الحد الأدنى من تطلعاتهم وحاجاتهم، وهم أنفسهم مواطنون صالحون ومنتجون يحبون البلد، ويغارون عليها، لا كما قال لي أحد المسؤولين: إن من يستهزئ بالتصريحات "ذباب إلكتروني تدفعه جهات معارضة او معادية"!

خطابكم اليوم يجب أن يتغير، فارجعوا إلى الواقع، ولامسوه، وكونوا صريحين بما تقدرون عليه وما لا تقدرون؛ لا أدري لماذا لا تقول الحكومة الحقيقة، ولا تصارح الشعب الذي لم يعد ينخدع بتصريحات وجمل رنانة، وإنما يبحث عن وصف دقيق للواقع؛ وطنيا وسياسيا واقتصاديا بالدرجة الأولى.

إن خطابكم اليوم، ورسالتكم، يجب أن تكون بعد دراسة عميقة للحالة الشعبية العامة، لا بناء على تقارير يكتبها موظفون في مكاتب فخمة، ولا يتواصلون مع الشارع إلا في مواكب من سيارات زجاجها معتم، ولا يعلمون عن ناسه شيئا، ويصورون لكم واقعا خياليا في أبهى صوره.

الواقع مختلف عما تصرحون يا رئيس الوزراء، فلامسوه ولا تصدقوا المسحجين والمنتفعين، لأن راتب 4000 دولار الذي صرفه أحد الوزراء لموظفي الضمان الاجتماعي سابقا "ليس عاديا، ولا طبيعيا"، في مجتمعنا، وإن لم يكن كافيا لمسؤول أو ابنه أو لعظام رقبته.

نعم؛ السوق الفلسطينية تحتاج إلى أيدِ عاملة؛ ليس لأن نسبة البطالة قلت كما صرحتم، وإنما لأن الشباب توجهوا إلى داخل الخط الأخضر ليعملوا؛ هربا من واقع مر يعيشه العامل الفلسطيني، يتمثل في الاستغلال والجشع الذي يمارس عليه، وتهضم حقوقهم شركات تحقق أرباحا بالملايين، ولا تدفع له إلا القليل، وإدارات تعامل الموظفين والعمال على أنهم ليسوا بشرا.

وإن لأرجو دولتكم أن تقوموا بزيارات مفاجئة إلى بعض من أكبر شركاتنا ومصانعها، وأن تتوجه فورا إلى العمال فيها، قبل أن تجلس في المكاتب الوثيرة لأصحابها، وأن تسألهم عن الحد الأدنى للأجور الذي أقرته حكومتكم، فربما ستكتشف أنه الحد الأعلى... فإذا أخذت بمقترحي هذا، فالتمس وقتا مناسبا لزياراتك.

في هذه المسألة لا بد من إيجاد حل لضعف أجهزة الرقابة على حقوق العمال في الشركات والمنشآت، وتغول القطاع الخاص ورجاله الذين وضع بعضهم يده في أيدي بعض المتنفذين في حكومتكم لقتل طموح البشر واستغلالهم، إضافة إلى ضعف القضاء عندما يتعلق الأمر بحقوق العامل. ويمكنك هنا أن تطلع بنفسك على ملفات طويلة عريضة في وزارة العمل... ربما لن يخفوها عنك!

إن خطابكم ورسالتكم الشعبية تحتاج إلى إعادة صياغة ومصارحة واقعية بحتة، وإلى إدارة هذا الخطاب؛ في من يحق له أن يصرح، ومتى يصرح، وكيف يصرح، على ألا يقول إلا الحقيقة، وألا يحاول خداع المواطن. ذلك إذا أردتم ترميم صورتكم أمام شعبكم لا "سحيجتكم".

وأخيرا أعتذر لكم إذا خرجتم برؤية واضحة، وآلية رقابة على تنفيذ تصريحاتكم ووعودكم، بجدول زمني محدد، وخرجتم بتوضيح حول تصريح انخفاض البطالة في فلسطين رغم تراجع اقتصادنا الفلسطيني وخسارته لأكثر من مليارين ونصف المليار دولار؛ إذ لا يعقل أن تنخفض نسبة البطالة في ظل خسارة اقتصادية بهذا الحجم، والرقم الضخم.