يوم المرأة العالمي ... ولماذا لا تتغير القوانين؟
في خضم الاحتفال في الثامن من آذار بـ"يوم المرأة العالمي"، وفي ظل الكثير من الشعارات ومن التجمعات ومن الكلمات أو غير ذلك من مظاهر الاحتفال، تنشد المرأة ومعها جمعيات نسوية فاعلة، وعلى سبيل المثال جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية، التغيير للمرأة أو بالمفهوم الأشمل التغيير الإيجابي من منظور النوع الاجتماعي، التغيير الذي يوفر الظروف من أجل التمكين الاقتصادي والمشاركة السياسية وتوفير الدعم للحماية من تداعيات العنف سواء الدعم النفسي أو الاجتماعي أو القانوني أو المادي.
التغيير الذي ينصف المرأة من خلال توفير الدعم والإمكانيات ووسائل الوصول إلى المصادر والمعلومات وتوفر الفرص في التعليم والعمل والتدريب والحصول على الأجر المنصف وعدم العمل دون أجر ومراعاة الخصوصيات وتوفير شروط السلامة والصحة المهنية، أسوة بما يتم توفيره للرجل في إطار خصوصياته وظروفه. ومن أهم دعامات التغيير وبالأدق التغيير الذي يتواصل ويتعمق، أي التغيير المستدام، هو الذي يتم من خلال إصدار أو سن أو اعتماد القوانين والتشريعات وبالطبع ولو بشكل مؤقت تبني السياسات والخطط الاستراتيجية وفي مجالات متعددة، ومن منظور النوع الاجتماعي.
وعاصرنا خلال السنوات الماضية ومنها ما يمتد إلى أكثر من 10 سنوات المطالبة بإقرار قوانين لها علاقة بالتغيير المنشود للمرأة، سواء قوانين تتعلق بالتمكين الاقتصادي من خلال الوصول إلى القروض أو المنح، أو المشاركة السياسية من خلال نظام الـ 30% "للكوتا"، أو الحد الأدنى للأجور، أو المساواة في الأجر أو التعامل مع الأعمال غير مدفوعة الأجر، أو قانون حماية الأسرة من العنف أو غير ذلك من القوانين.
ورغم بعض التغييرات وبالأخص من خلال السياسات أو القرارات الحكومية، لم يتحقق من هذه المطالبات الكثير، رغم الزخم وحملات الدعم والضغط والمناصرة والتغطيات الإعلامية المكثفة، وما زال العديد من القوانين ومن أشهرها قانون حماية الأسرة من العنف، تراوح مكانها منذ حوالي 15 عاما، وبالتالي ما زال التغيير وبالأخص التغيير المنشود من منظور النوع الاجتماعي يراوح مكانه، وما زالت الشعارات التي يتم رفعها في اليوم العالمي للمرأة تراوح مكانها، ويتم تكرارها عاما بعد عام، في ظل دوامة من الإحباطات والتكرار وعدم الوضوح.
ومع الاتفاق بأن تغيير أو تعديل أو إقرار قوانين جديدة هو من أهم دوافع ودعائم التغيير المستدام، وهو الذي يشكل الحافز للتغيير في مسارات أخرى، ومع وجود الكم الهائل من المؤسسات ومن المشاريع والبرامج والدراسات والأبحاث التي تطالب بقوانين جديدة فيما يخص النوع الاجتماعي وبالأدق للنهوض بقضايا عديدة ما زالت تؤرق النساء والمؤسسات النسوية، وأهمها حماية النساء من خلال إقرار "قانون حماية الأسرة من العنف"، إلا أن التحرك العملي أو تحقيق الإقناع لمن يستطيع تحريك وبالتالي إقرار أو سن القوانين، ما زال بطيئا أو خجولا أو يتقدم خطوات ويتراجع أخرى.
وفي المحصلة، يتم وضع توصيات الندوات أو أجندة حملات الدعم والمناصرة أو نتائج الدراسات والأبحاث على الرفوف، في انتظار فرصة أو فرص أخرى، وتبقى القوانين القديمة والتي يمتد بعضها إلى الحقبة الإنجليزية من تاريخنا أو الأردنية في الضفة الغربية أو المصرية في قطاع غزة، وهي المطبقة مع كل النواقص والسلبيات والتداعيات والتخبطات.
وفي ظل هذا الفشل في الإقناع وفي نجاح حملات الدعم والمناصرة والضغط وعدم تحقيق الترويج والزخم الإعلامي المطلوب في إحداث التغيير المتمثل في تغيير القوانين، فلا بد للمؤسسات والجمعيات والائتلافات ومنها النسوية والحقوقية وما يقع بينهما، أن تراجع خطط عملها ووسائل الضغط والمناصرة التي اتبعتها، أو الرسائل الإعلامية وغير الإعلامية، من حيث الشكل والمضمون أو المحتوى التي انتجتها أو بثتها من أجل حشد الرأي العام وبالتالي الوصول إلى أصحاب القرار من أجل التغيير، لأنه ودون رأي عام فاعل يضغط ويناصر ويتابع لن يتم إقناع أو الوصول إلى من يملك إقرار القوانين، ودون محتوى ناضج من حملات الإعلام والمناصرة واستخدام وسائل الإعلام وهي كثيرة وسريعة وسهلة الاستعمال هذه الأيام، فلن يتم تحريك الرأي العام، ومن الواضح أن هذا لم يحدث حتى الآن، وبالتالي لم يكن هناك ضغط كاف لإقناع أصحاب القرار، رغم الوعود والتصريحات، ورغم العديد من البرامج والأموال والجهود.
وهذا يعنى أن من ينشد التغيير من منظور النوع الاجتماعي وبالتحديد فيما يتعلق بالقوانين والتشريعات وعلى رأسها "قانون حماية الأسرة من العنف"، وربما التغيير في السياسات والخطط الاستراتيجية، عليه أن يقوم بمراجعة شاملة وعملية تقييم لتبيان عدم وصول الرسائل الإعلامية وحملات الضغط والمناصرة ونتائج الكثير من الدراسات ومنها المكررة إلى الجهات المستهدفة، ودراسة الظروف المحيطة التي لا تقود إلى التغيير وفي نفس الوقت تمحيص الظروف التي أدت إلى تغيير ولو بسيطا هنا أو هناك، ومن ثم البناء عليه وبشكل موضوعي وبالاعتماد على المعطيات أو البيانات أو الحقائق فقط، بعيدا عن العواطف وعن الشعارات الكبيرة أو الأجندة غير الواقعية، وبأن يتم ذلك من خلال عدم تجاهل أو الابتعاد عن ظروفنا وبيئتنا ومن جوانب مختلفة، وان تم ذلك وتم اعتماد إطار جديد من حيث الشكل والمضمون أو وسائل الوصول، فإن ذلك سوف يكون من أهم الأشياء الايجابية التي تنشدها المرأة في الثامن من آذار، ونأمل أن يأتي يوم المرأة العالمي في العام القادم أو الذي يليه وقد تغيرت أو تم إقرار قوانين وعلى رأسها قانون حماية الأسرة من العنف، في إطار حصول المرأة على حقوقها أو تبني خصوصيتها وظروفها وفي مجالات مختلفة، في الاقتصاد والعمل والتعليم والتدريب والقضايا البيئية والتغيرات المناخية والصحية والاجتماعية وغير ذلك، وتحقيق تغيير أو تعديل أو سن قوانين، سوف يكون من أهم الإنجازات التي تحتفل فيها المرأة في يومها العالمي في الثامن من آذار.