اليوم العالمي للمياه.. بين التغيّرات المناخية والواقع الفلسطيني

2022-03-26 10:07:40

يصادف الثاني والعشرون من آذار من كل عام ما يعرف بـ»اليوم العالمي للمياه»، حيث يتم الاحتفال به بناء على قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في نفس اليوم من العام 1993، والهدف منه التوعية للحفاظ على مياه صالحة للاستهلاك البشري وللإنتاج والتنمية، وكذلك ترشيد استخدام مصادر المياه المتوفرة. وشعار الاحتفال في العام 2022 هو «المياه الجوفية.. جعل غير المرئي مرئياً»، لتبيان الدور الحيوي للمياه الجوفية التي لا نراها في باطن الأرض، لكن تأثيرها مرئي في مختلف جوانب الحياة.  
وفي بلادنا، نعرف أن غالبية مصادر المياه جوفية، حيث حسب بيان صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء، قبل عدة أيام، بهذه المناسبة، فإن حوالى 80% من مصادر المياه المستخدمة في بلادنا هي من مياه جوفية، وإن حصة المواطن الفلسطيني من المياه حوالى 84 لتراً في اليوم، وتقل عن النسبة الموصى بها من قبل منظمة الصحة العالمية للفرد وهي 100 لتر في اليوم، وإن الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على حوالى 85% من مصادر المياه الفلسطينية، ومن ضمنها ضفة نهر الأردن الذي يعتبر مصدر المياه السطحية المتوفرة للفلسطينيين.
ويأتي الاحتفال باليوم العالمي للمياه، هذا العام، في ظل تصاعد حدة آثار التغيرات المناخية في العالم، وبالأخص على كمية ونوعية أو جودة أو تلوث المياه، وفي الواقع الفلسطيني، يبدو هذا الوضع أكثر وضوحاً وشدة، من خلال مواصلة الاحتلال سلب المياه الفلسطينية واستخدامها لتوسيع المستوطنات وبالأخص في مجال الزراعة، كما يتضح في منطقة الأغوار الفلسطينية، حيث تم فقدان القدرة على زراعة محاصيل اعتدنا عليها خلال السنوات الماضية، لعدم توفر المياه أو بسبب زيادة ملوحتها.
وتأثير التغيرات المناخية في العالم، والتي تعود بالأساس إلى ما يعرف بظاهرة الاحتباس الحراري، أو ظاهرة البيت الزجاجي، التي تتشكل بسبب انبعاث الغازات من المصانع والمعامل والمركبات ومحطات الكهرباء، وما يصاحب ذلك من انخفاض في نسبة هطول الإمطار، والذي سوف يؤدي إلى عدم تغذية أحواض المياه الجوفية، ومن ثم ارتفاع درجة ملوحتها وازدياد احتمالات التلوث، وأن ارتفاع ملوحة التربة وقلة المياه وارتفاع درجات الحرارة، يمكن أن تؤدي إلى ازدياد التصحر ومن ثم نقص المحصول الزراعي، وعدم القدرة على زراعة بعض المحاصيل التي تم الاعتياد على زراعتها.
ويحتل موضوع المياه أهمية خاصة، لأن عملية البناء والتنمية الاقتصادية المستدامة، وبالتالي خلق فرص عمل للآلاف من العاطلين، تحتاج إلى مياه بالكمية وبالجودة المطلوبتين، وتزداد هذه الأهمية بسبب شحّ مصادر المياه وتلوثها أو تدهور جودتها، خاصة في قطاع غزة حيث تشير تقارير محلية ودولية إلى أن أكثر من 90% من المياه في القطاع غير صالحة للاستهلاك البشري، وكذلك ما زالت قضية المياه تعتبر أحد مواضيع مفاوضات المرحلة النهائية المجمدة منذ فترة طويلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وتلوث المياه في قطاع غزة ينتج عن عدم التخلص السليم من المياه العادمة، حيث تجد طريقها إلى المياه الجوفية، وكذلك نتيجة الاستخدام المكثف للمبيدات الكيميائية والأسمدة، حيث إنه بفعل مياه الأمطار أو الري تتسرب المواد الكيميائية من خلال التربة الرملية لتصل في المحصلة إلى المياه الجوفية، بالإضافة إلى احتمال تسرب المياه المالحة من البحر إليها.
هذا بالإضافة إلى التلوث الناتج عن إلقاء الآلاف من المواد الكيميائية المتفجرة على القطاع خلال الحروب الأربع الأخيرة، حيث تترسب هذه المواد في التربة، ومع مرور الزمن ومن خلال حبيبات التربة الخفيفة تجد طريقها إلى خزانات المياه الجوفية، وحسب أحد التقارير، الصادر عن منظمة دولية قبل فترة، فإن حوالى 20% من الأطفال في قطاع غزة يعانون من أمراض لها علاقة بتلوث وجودة المياه، وأن أمراض الكلى تنتشر بشكل كبير وبالأخص عند النساء.
فهناك معايير ومواصفات عالمية محددة لاستخدام المياه سواء للشرب أو للاستخدامات الأخرى، وهذه المعايير سواء كانت من منظمة الصحة العالمية أو من وكالة حماية البيئة الأميركية مثلاً، تحدد نوعية وتركيز بعض المعادن، مثل: الرصاص والنحاس والكادميوم والزرنيخ، التي إن زادت عن الحد الأقصى المسموح به، يمكن أن تؤدي إلى أضرار قصيرة المدى، مثل التأثير على عمل الكلى أو الجهاز العصبي أو الهضمي أو التنفسي، أو آثار بعيدة المدى تظهر بعد فترة على شكل أمراض مزمنة.
ومن ضمن المواد المسببة لتلوث المياه المركبات العضوية مثل الـ»ديوكسين»، والبنزين، والمواد المتحللة من النفايات البلاستيكية، والمركبات الكلوروعضوية، وكلها سامة، وكذلك مبيدات الحشرات والفطريات والأعشاب، وبما أن النسبة الأكبر من المياه في بلادنا وبالتحديد في غزة مياه جوفية، وبما أن التربة في غزة أقرب إلى التربة الرملية، فالاحتمالات كبيرة لنزول المواد الكيميائية بأنواعها المختلفة إلى المياه الجوفية وتلويثها، والجدير بالذكر أن العديد من المبيدات قد وجدت في مصادر المياه السطحية والجوفية بأماكن مختلفة من العالم.
بالإضافة إلى المعادن، فإن المياه يمكن أن تحوي على تراكيز أعلى من المسموح بها من مواد كيميائية غير عضوية أخرى، مثل: الكلوريد والفلوريد والنيترات والنيتريت والفوسفات وغيرها، فتتراكم أملاح النترات والفوسفات في المياه، كما هو الوضع في قطاع غزة الآن، بسبب تسرب الأسمدة ومياه الصرف الصحي إلى المياه الجوفية، واحتمالات انتقالها إلى مواد أكثر سمية وخطورة على صحة الإنسان حين تستخدم المياه للشرب، وكذلك تأثيرها السلبي على المزروعات حين تستخدم في الري، يمكن أن تنتج عنه آثار صحية مختلفة، مثل تأثير الفلوريد على الأسنان، أو التأثير السام لمادة النيتريت.
ومن أجل التأكد من جودة المياه، وبالأخص مصادر المياه الجوفية، من المفترض إجراء فحوصات روتينية للمياه، بأن يتم الحصول على عينات مياه من مواقع مختلفة خلال عملية تزويد المستهلك بها، أي من المصدر الأساسي وهي البئر أو البئر الجوفية، ومن الخزانات وشبكة التوزيع، والنقطة النهائية للتوزيع، أي من داخل البيت أو من داخل المنشأة التي سوف يتم استخدام المياه فيها.
وفي خضم ما وصل إليه الوضع الحالي للمياه في فلسطين، وبالأخص في قطاع غزة، فإننا بحاجة وبسرعة للبحث عن حلول جذرية ومستدامة، أي حلول طويلة المدى لمعضلة جودة وتوفر المياه، ومن ضمنها ربما محطات تحلية المياه، وذلك من خلال سحب المياه من البحر الأبيض المتوسط، وتحويلها أو تهيئتها للشرب، ومن ثم إعادة ما يتم فرزه أو إنتاجه من أملاح إلى البحر الواسع، وبسبب التطور التكنولوجي لمحطات تحلية مياه البحر، فإن فعاليتها قد ازدادت، وبالتالي قلّت تكاليف المياه المنتجة منها التي من المفترض أن تستخدم للاستهلاك البشري.
ومع الاحتفال باليوم العالمي للمياه، نتذكر كم من مزارع الموز والحمضيات والخضراوات قد اندثرت في الأغوار الفلسطينية أو في قطاع غزة مثلاً، وبالتالي فإن عشرات بل مئات وربما الآلاف من فرص العمل قد ضاعت، وبالأخص عند فئات النساء التي اعتادت الاعتماد على الزراعة كمصدر للحياة لهن ولأفراد عائلاتهن، بسبب عدم توفر المياه، سواء بالكمية اللازمة أو من ناحية النوعية ومستوى الملوحة.
وكذلك نتذكر أن العديد من المشاريع الصناعية والإنشائية لم تجد طريقها إلى التنفيذ، وبالتالي لم يتم تشغيل المئات من العاطلين والباحثين عن عمل بسبب المياه، وهذه الأمثلة تدعونا إلى اعتبار المياه خاصة الجوفية المصدر الأساسي عندنا للمياه، ليست فقط سلعة ضرورية للاستهلاك البشري، ولكن للإنتاج وللتنمية وتشغيل البشر، وللحفاظ على الصحة والبيئة ولمواصلة كافة جوانب الحياة.