موازنة جيب المواطن بين الأمس واليوم
يحل شهر رمضان هذا العام وقد ضربت أزمتا غذاء وطاقة أغلب الدول. ونعاني كفلسطينيين من ارتفاع جنوني في أسعار السلع الغذائية الأساسية بجانب ارتفاع أسعار المحروقات، فيما تعاني دول أخرى من أزمة شح في الغذاء نفسه. فهل عملنا على تدارك ارتفاع الأسعار بموازنة عام 2022؟
“الميزانية الرئيسية” هي الوثيقة الاقتصادية الرئيسية التي توفر معلومات عن تأثير السياسات الحكومية على تخصيص الموارد والنمو الاقتصادي والجوانب الأخرى.
توفر الميزانية خطة مفصلة لإنفاق وإيرادات مؤسسات الدولة لسنة مالية معينة. مع خيارات السياسة التقليدية القليلة جدًا أو المحدودة للغاية، من غير الواضح كيف ستخرج السلطة الفلسطينية من الأزمة الحالية، إذا حافظت كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية على موقفهما بشأن خفض الإعفاء من الرسوم الجمركية. ومع ذلك، من الواضح أنه حتى لو تم إطلاق سراح إسرائيل بانتظام من الأموال الموقوفة وتحويل كامل للمنح، فإن العودة إلى الوضع الذي كان قبل الأزمة لن تحل الصعوبات المالية المستمرة للسلطة الفلسطينية، المستمرة التي تتخبط فيها السلطة الفلسطينية والتي يُحذّر منها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على امتداد السنوات الثلاث الماضية، وفي منتصف العام يحذر من ذلك والسبب في ذلك هو أن المشاكل المالية للسلطة الفلسطينية متجذرة بعمق في مناخ سياسي غير مريح للغاية. إن العجز المستمر في الميزانية ليس سوى نتيجة ثانوية لهذا المناخ.
“لا يجب أن يكبر الدين العام، علينا التفكير بطرق خفض هذا العجر الذي يكبر». يجب ان تكون استراتيجية الحكومة الحالية البحث نحو تقليل الدين العام، وهي المهمة الأكثر تعقيدا، لكن هذا هو المطلوب قبل فوات الامور، حيث أشارت التوقعات الاقتصادية المحلية والعالمية حول الاقتصاد الفلسطيني، بأنه اذا استمر الدين العام بالتعاظم وفي حال استمر المنحنى في العجز التجاري بالطريقة نفسها لغاية 2028 وبالفرضيات نفسها التي تدار الميزانية في ظلها، سيصل الدين العام إلى 100% من الناتج المحلي.
ومن الواضح انه هناك هيمنة للمقاصة على الإيرادات في سلوك يزيد ويتعارض مع سياسة الانفكاك عن المحتل، حيث تتكرس التبعية، فتزيد المقاصة عبر الاستيراد وبالتالي يزيد عجز الميزان التجاري وهو ما يقود إلى تدمير القطاعين الصناعي والزراعي. فأين التحرر من التبعية الاقتصادية مع المحتل الذي طالما كانت شعارا؟
نظرة من قرب :-
لم تعد الاستدانة الداخلية خياراً قابلاً للحياة. ففي بداية عام 2022 ، بلغ مجموع الديون الداخلية للسلطة الفلسطينية 4.6 مليارات دولار، 1.9 مليار دولار منها هي للمصارف المحلية، و2.65 مليار دولار في شكل متأخرات متراكمة للقطاع الخاص وهيئة التقاعد الفلسطينية. غير أن الاستدانة من المصارف تقترب سريعاً من الحدود التي وضعتها سلطة النقد الفلسطينية، في حين أن المتأخرات المتراكمة المتواصلة للقطاع الخاص سوف تؤثّر سلباً في القدرة على سداد القروض، بما يؤدّي إلى تمدّد الأزمة المالية الراهنة إلى القطاع المصرفي. كما أن المصارف تنكشف بصورة متزايدة على المخاطر الناجمة عن ديون السلطة الفلسطينية والقروض الاستهلاكية لموظفي السلطة الفلسطينية الذين تأثّرت رواتبهم بالأزمة الراهنة، والذين تبلغ قيمة قروضهم المصرفية راهناً “1.8” مليار دولار.
ومنذ بداية العام الجاري سجل الدين العام المتراكم على السلطة الفلسطينية والمتأخرات أكثر من 9 مليارات دولار، وهو رقم مرتفع جداً له تداعيات خطيرة على إدارة السلطة للمال العام والناتج المحلي الإجمالي وعلى الاقتصاد ككل. إن السلطة منذ بداية تأسيسها، هذا الذي أوصلها إلى الفشل، رغم إقرارهم بوجود تحديات أخرى مثل قرصنة الاحتلال الإسرائيلي لأموال المقاصة.
ويشكل حجز أموال المقاصة وهي عائدات الضرائب الفلسطينية تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة، ويبلغ متوسطها الشهري نحو 188 مليون دولار، وتقطتع إسرائيل مقابلها عمولة تصل إلى 3 في المئة، عجزا كبيرا في خزينة السلطة.
موازنة عام 2021، أقرت بعجز يقدر بنحو 1.7 مليار دولار قبل المساعدات الخارجية. بينما موازنة عام 2022 أقرّتها الحكومة الفلسطينية 2022 بقيمة 4.77 مليار دولار، وبعجز يتوقع أن يصل إلى 558 مليون دولار.
بينما نحن ننتظر قرار الاتحاد الاوروبي بمنح السلطة الفلسطينية “214 مليون يورو” وتقول إن جزءًا كبيرًا منها سيذهب لبرامج الشؤون الاجتماعية المتوقفة منذ سنة تقريبًا بسبب توقف التمويل. تاريخيًا، مخصصات الفقراء والمحرومين لا تتحملها الخزينة العامة وتعتمد على المانحين في تمويلها. هذا يتطلب قبل أي شيء العمل على البحث عن مصادر دائمة لسد حاجة هذه الفئات المسحوقة.
المهمة الوطنية تبدأ هنا بإعادة تشغيل جيوش البطالة في سوق العمل وخلق فرص استثمارية محلية لاستيعاب العاطلين عن العمل، فلا اجد بندا في الموازنة العامة يتطرق لتوظيف الشباب، بالرغم من التصريحات الحكومية من قبل وزير العمل الذي يتحدث عم ايجاد 4000 فرصة عمل جديدة، باعتقادي يجب على الحكومة ان تجند مصادر مالية لتحقيق اهداف التشغيل الوطنية، فبينما نعاني من زيادة سنوية على مستوى البطالة، لم اجد ما يشجع الاقتصاد المحلي في الموازنة لعام 2022 وكسابقتها اي بند يهدف لتفعيل وخلق فرص تنمية بشرية، وباعتقادي المسؤولية الاولى والاخيرة تقع على الحكومة، يجب ان تعمل بجدية وشفافية عالية على وقف هدر المال العام من خلال ملفات صافي الإقراض الذي يكلف الميزانية مبالغ خرافية وملف التحويلات الطبية أيضا. ومن الواضح ان عملية إصلاح النظام الضريبي قانونيا وإداريا تمر بمرحلة مخاض ورسالتى للحكومة، «على الحكومة أن تسير باتجاه توسيع القاعدة الضريبية وضمان تصاعدية ضريبية لتحقيق مستوى أعلى من العدالة الاقتصادية والاجتماعية». إن انهيار السلطة بات أمراً حتميا إذا استمرت الأزمة الخانقة، ولن يكون بمقدورها الوفاء بالتزاماتها ومهامها، لكنه يعتقد في الوقت نفسه أن الانهيار بمعنى الاختفاء التام لن تسمح به الدول المانحة، لإدراكها أن البديل هو الفوضى الشاملة في المجتمع، وعودة إسرائيل لتحمل المسؤولية كقوة احتلال.
توصيات للحكومة الفلسطينية :-
اولا :- عرض «موازنة المواطن» وتوفير آليات مساءلة فعالة في ظل غياب المجلس التشريعي. أن المجتمع الفلسطيني يساهم بشكل متزايد في تغطية الإنفاق العام ويتحمل المواطن عبئاً ضريبياً عالياً، حيث يعتبر المواطن المصدر الأهم للموارد المالية المتاحة للإنفاق الحكومي وهو ما يجب أن يعزز من حقوق المجتمع الفلسطيني في مساءلة الحكومة عن السياسات العامة والمشاركة فيها ويوجب على الحكومة أن تكون أكثر شفافية في صياغة وتنفيذ السياسات وهو ما يحقق دمقرطة الموازنة.
ثانيا :- اعتماد ما يسمى «الضوابط الصلبة» للالتزام بسقوف مخصصات للإنفاق في الموازنة العامة، وإتاحة أوسع مشاركة لمؤسسات المجتمع المدني في صياغة الموازنة والرقابة على الأداء الحكومي من الشوائب
ثالثا:- «تنقية فاتورة الرواتب» العمل على إعادة صياغة الأداء الحكومي، وتنقية العاملين بتأطير اعمالهم التى تخدم القطاعات الانتاجية والخدماتية وليس خدمة تظليل البطالة بالاستيعاب الحكومي الشكلي.
رابعا: الضرائب عمياء العدالة:- يتميز النظام الضرائبي الفلسطيني بعدم عدالتة، فلا يعقل أن يدفع مواطنا تمويلا لموازنة السلطة فيما الذي لديه دخل أعلى لا يقوم بدوره ولا تقوم الجهات الضرائبية من غير متابعته.
وفي الختام، وما من شك في أن غلاء الأسعار يؤثر على الناس ويُفسد أجواء الشهر الكريم، فعلى شبكات التواصل الاجتماعي يتساءل الناس كيف سيعدّ الصائمون مائدة رمضان؟ أتأمل ان يدرك صاحب القرار إن المواطن هو القاعدة وهو المستقبل، اسعوا نحو بناء المواطن.