حديث متقطع لآلة كاتبة!
نصي الثاني عشر الذي حلمتُ به في حياتي السابقة ونشرته في جريدة فلسطين اليافاوية بتاريخ ٨/٧/١٩٣٧ وأُعيد نشره الآن في جريدة الأيام الفلسطينية.
(زيـاد خـداش)
انكسر حوض أبي، مشّاء رام الله الشهير ذات زلة قدم، فاستلقى في الفراش سنة كاملة، كانت مهمتي أن أجالسه ساعات طويلة؛ لأبعد عنه الملل، وأستمع إلى حكاياته التي يكررها ألف مرة في اليوم، مدعياً أمامه الاندهاش والتساؤل: عن جد يابا هيك صار؟ قال لي ونحن نشرب شاياً بنعناع في صيف المخيم القاتل: في أواخر الخمسينيات علمني المعلم المقدسي جورج خميس اللغة الإنجليزية بمدرسة الهاشمية في مدينة البيرة.
- احكِ لي عنه قليلا يا أبي.
كرر أبي الحكايات عن أستاذه جورج لكنه هذه المرة صفن قليلاً وقال:
- ماذا أقول؟ كان يجلس بعد المدرسة أمام بقالة أبو عزمي على دوار المنارة، لم يكن يعود إلى البيت، شككنا نحن طلابه يوماً بأن له بيتاً، وحين عرفنا أنه لم يتزوج وكان قد قارب الستين من العمر، حزنّا عليه جداً، بعضنا بكى، وحين أهداني الآلة الكاتبة، شعرت أنه يحبني.
-أي آلة كاتبة يا أبي؟
- ألم أخبرك عنها؟ أوه يبدو أني نسيت، إنها هناك من سنوات طويلة، هي لك أصلاً، استخدمتها في آخر سنواتي الجامعية، وخبأتها في الخزانة، بانتظار أن تكبر أنت؛ لتكتب بها قصصك.
أحببت مفاجأة أبي.
ركضت باتجاه الخزانة، أخرجت الآلة، حضنتها، عائدا بها إلى أبي الذي استأنف حديثه عن قصة الآلة: كنت طالباً متفوقاً، في مدرسة الهاشمية، في أواخر الخمسينيات، كان جورج خميس يحبني جداً، ويناديني (الطالب البلوة)، مرة قال لي: كم أتمنى لو أنك ابني يا مصطفى، فيك من الصفات ما يجعلني أحب الحياة ومهنتي، وقبل أن يتقاعدَ ويعود إلى القدس مدينته الأصلية، طلبني إلى مكتبه، وأهداني هذه الآلة الكاتبة، قائلاً لي بهمس: لهذه الآلة قصة يا مصطفى، أهدانيها ثائر من القدس، كان طالباً عندي في دار المعلمين بالقدس منتصف الثلاثينيات، معترفاً لي بأنه سرقها قبل سنوات مع رفاقه من المكتبة العلمية في شارع يافا، التي كانت لوديع سعيد وبولص سعيد، وحين احتججت أمامه على موضوع السرقة، أقنعني أن هدف السرقة كان طباعة منشورات الثورة، وأن الثورة كانت غاضبة من أصحاب المكتبة لأنهم كانوا موردي الجيش البريطاني الأساسيين من القرطاسية، والأدوات المكتبية، أخذت الآلة واستخدمتها لأشهر في عملي كمدرس في الكلية، وبعد أيام وصلني خبر استشهاد الطالب الثائر، حزنتُ جدا عليه، كان يرغب في إخفاء الآلة عندي مؤقتا خوفاً من ملاحقة البريطانيين، الذين عرفوا بتحركاته وكانوا يسعون لاعتقاله هو ورفاقه، فيما بعد تبين أن الشهيد الثائر لم يسرق الآلة، هو اتفق مع أصحاب المكتبة على افتعال قصة السرقة تفادياً لأذى يقع على المكتبة من قبل البريطانيين، الآلة كانت تبرعاً من المكتبة لدعم الثوار.
سكت أبي وسكت أنا.
أخذت الآلة معي إلى بيتي في رام الله، حاولتُ النقر عليها لطباعة بعض قصصي، لكني فشلت، ثمة صدأ وتخلخل كبير في الحروف، ذهبتُ بها لمتخصّص في إصلاح الحواسيب، فضحك طويلاً، ورماها في وجهي: جاي تضحك عليّ؟
يئستُ منها، ووضعتها في الرف الأخير من خزانة ملابسي بغرفة نومي، لكنّي أخبرتُ أصدقائي عنها، وظللتُ فخوراً بامتلاكي هذا الكنز الكبير الذي مرّت عليه أحداث وأنفاس وأيادي ثوّارنا في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، انشغلت عن الكنز بحياتي الخاصة، وبمواصلة التفكير بمجموعتي القصصية القصيرة، التي أنوي إصدارها بعد عام، ولم أختر لها عنواناً بعد، لكن أشياء حدثت غيّرت مسار حياتي، أصواتٌ غريبةٌ بدأتُ أسمعها داخل خزانتي، ضحكتُ على نفسي وأنا أتخيّل أشخاصاً يعيشون في ملابسي ويتنفسون، وأحياناً يضحكون، نمتُ تلك الليلة بعمق، وحلمتُ بأن خزانتي صارت مذياعا، صحوتُ سعيدا على الفكرة، لكنّ الأمور كانت جدية، ولا علاقة لها بأحلامٍ، أو تخيّل، ثمة أصوات أشخاص يشتبكون في حوار غير واضح، يتخلل هذا الحوار نقرات على الآلة الكاتبة، كان واضحاً أنهم يختلفون على أشياء، ويحاولون إقناع بعضهم البعض، الكلمات بدت أقرب للغمغمة، الأصوات مكتومة كأن شخصاً ما غطّى أفواههم بقماشة، الكلمات التي استطعت أن أفهمها غير مترابطة، ولم أكن أتبيّن جملة مفيدة واحدة، مثل صوت مذياع يصيبه تشويش فجأة، ثم يعود للبث، ثم يعود التشويش.
(-كف أسود، هاغاناة، الشيخ، سكة حديد، معابر، طرق تخريب، قنابل، إضراب، تحرير، بلدة قديمة، فرحان السعدي، قطع أسلاك التلغراف، تعطيل).
كانت الأصوات تخفت أحياناً وأحياناً تعلو ومرات كثيرة تختفي، ومرات أسمع صوت نقرات الآلة فقط، لم أكن أحتاج لوقت طويل؛ لأعرف أن هؤلاء هم ثوّار ثورة 36 يجتمعون حول الآلة الكاتبة لطباعة منشور جديد يوجهون فيه الناس لاضراب طويل، أخبرتُ أصحابي بما يحدث، ضحكوا وقالوا: آه قصة جديدة، جميل زوز جميل. عجزت عن إقناعهم أن الموضوع لا علاقة له بفكرة كتابة جديدة.
لم أجرؤ على فتح الخزانة، تخيلتُ الأشخاص سيهجمون عليّ، ويتهمونني بالتجسس، بقيت في سريري لأشهرٍ، أحاول أن أسمع أكثر؛ لأعرف تاريخ الثورة وأحداثها ومحطاتها، لم يقلق أحدٌ عليّ، فكلّهم كانوا يعرفون أنني أعيش أحياناً عزلات مفاجئة.
أمعقولٌ أن آلتي مسحورة، أمعقول أني أحلم، لكني أعي تماماً أني لا أحلم، والدليل أن بيّاع البطيخ يزمجر خلف نافذتي الآن، وخدي يؤلمني حين أقرصه.
على مدى أشهر تواصلت الأصوات، أحياناً كانت تصبح صرخات فرح وأحياناً بكاء، لكن ثمة أصواتاً معينة ميزتها سابقاً لم تعد موجودة، وهناك أصوات جديدة خفيضة دخلت، لكن شيئاً فشيئاً تناقصت الأصوات والنقرات حتى صارت حشرجات شخص واحد وبضع نقرات.
بعد يومين اختفت الحشرجات نهائياً، حينها قررتُ أن أفتح الخزانة؛ لأعرفَ ماذا يجري.
مددتُ يدي لفتح الخزانة، كانت الآلة تجلس بصمت مخيف في الرف الأخير، أحسستُ أن إنهاكاً فظيعاً أصاب حروفها، حملتها ووضعتها على سريري، وبدأتُ بالنقر على حروفها، لكنّ الحروف لم تستجب، كانت مخلخلةً مثل أسنان عجوز، الشيء المخيف الذي لاحظته أن دمّا مفاجئا بدأ يتسايل من بين الحروف، ارتعبتُ، ركضتُ تجاه صنبور المياه لأغسل وجهي، عدت الى السرير لأجده؛ غارقاً في الدماء.