مصائب ومنافع

2022-04-14 10:48:18

 قرأت شكوى مصورة لمواطن فقير نشرها عبر موقع "الفيس بوك" تشير لما تعرض له من إهانة من متبرع غني خلال شهر رمضان.. وبالمناسبة فقد أصبح الجميع لا يحتاجون لشهود تثبت أقوالهم أو ما حدث معهم من ظروف، فيكفي أن تقوم بإجراء بسيط من خلال هاتفك الذكي لكي تحصل على دليل لا يقبل التزوير، وهذا الإجراء يعرف بـ" السكرين شوت" أي تصوير للشاشة سواء لمحادثة أو صورة او أي شيء آخر ترغب في الاحتفاظ به.
فالمواطن حصل على قسيمة شرائية بمبلغ صغير وتوجه لمحل بعينه غالباً ما يكون هناك اتفاق مسبق ومشدد مع مالكه لكي يحصل الفقير على مستلزمات ضرورية وليس كماليات أو على سبيل الترفيه، وهكذا فقد حصل المواطن على مواد تموينية قاربت على الانتهاء، ويشكو من سوء المعاملة حين توجه لاستلام المواد الغذائية، ويتمنى لو كان باستطاعته أن يحصل بقيمتها على حليب للأطفال، أو مواد غذائية أكثر فائدة للرضع مثل حبوب القمح وغيرها، ولكن ذلك لم يحدث.
هنا نتساءل أو نتفاجأ فالمفروض وكما تعلمنا في صغرنا أننا حين نقدم الصدقة لمحتاج فيجب الا تعلم اليد اليسرى ما قدمته أختها اليد اليسرى، وقد سرنا بهذا الشعار ولم نعمل به، وقد ورد عن السلف أنهم حين كانوا يقدمون الصدقات فقد كانوا يفعلون ذلك في الليل لكي لا يجرحوا مشاعر الفقراء ولا يفضحوهم، كما ورد عن السيدة عائشة أنها كانت تعطر القطع النقدية وتمسحها وتنظفها قبل ان تقدمها للفقير، فيما نصح ناصح بأنك حين تقدم الصدقة لمحتاج فعليك ألا تنظر في عينه لكي لا تجرح كرامته ولا تؤذي عزة نفسه، ولكن اليوم فالصدقات وللأسف أصبحت طريقاً للمهانة والمذلة، كما أن تخصيص شهر رمضان جعلها وسيلة للمباهاة والتفاخر.
كتبت كثيراً أننا يجب أن نتفقد الفقراء كما نتفقد ونزور أرحامنا طيلة أيام العام، وان كان شهر رمضان قد خص بالصدقة فهناك من خصصوه لإخراج زكاة المال لكي لا يخطئوا في حساباتهم، وحيث يجب أن يحول على المال أو الزرع وما اشبه الحول أي يمر العام، فجعلوا مرور شهر رمضان طريقة حسابية مضمونة لإخراج زكاة أموالهم حسب النصاب المحدد، وفيما يرغب كثيرون بمضاعفة الأجر والثواب من رب العباد في رمضان بإخراجهم الصدقات فهم غالباً ما يلجؤون لإقامة الولائم التي تصور ويشهر بها، كما يقومون بتوزيع الطرود الغذائية التي لا يتوخون محتوياتها مثل أن تحتوي على العدس والفول المعلب، وهذان الصنفان يكون الفقير قد زهد بهما لأنهما زاده وزواده طيلة العام.
أرى أن أحسن وسيلة وطريقة لتوزيع الصدقات وإخراج الزكاة هي التبرع بمبلغ مالي للعائلات المحتاجة، وتقديم المبلغ مباشرة للأم إن كان قد ثبت عن الأب سوء التصرف أو أنه من المدخنين الذين لا يفكرون سوى بإرضاء شهوتهم للتدخين ولو على حساب جوع أطفالهم، كما أن القسائم الغذائية التي يطلب ممن يستلمها أن يتوجه لمول ضخم يرتاده الأغنياء عادة، فهذه تشعره بالدونية ووسيلة لزيادة قهره حين يرى ما هو محروم منه ولا يستطيع في العادة دخول مثل هذه المراكز للتسوق طيلة العام لشراء أي شيء منها، فأسعارها تكون فوق طاقته، كما أن عروضها ومعروضاتها مغرية ولن يفكر فقير بأن يسحب طفله ويدخل احدها، ولكنك اليوم تجبره لكي يدخل ويرى الفارق الكبير بين معيشته ومعيشة قلة قليلة من العائلات في المجتمع والتي تجد في ارتياد المولات الضخمة والتسكع بين رفوفها وأقسامها وسيلة لتزجية الوقت، ولا يلتفتون لحجم ما ينفقون بعكس الفقير الذي يرى ويتحسر.
ولا ننسى أن الكلمة الطيبة والبشاشة وحسن المعاملة افضل بكثير من أن تمنح الفقير ثم تعامله بسوء خلق أو تعيره أو تتهكم عليه وتسخر من رغبته باقتناء شيء ترى أنه لا يصلح إلا للأغنياء، وفي النهاية فقسيمته هي منفعة للتاجر لأنه يتخلص من مواد تموينية قاربت على التلف وتغير شكلها ومظهرها ولن يقبل بها إلا الفقير.