جامع عمرو بن العاص.. مفتتح الإسلام بمصر وذروة سنامه

2022-04-30 16:23:10

تجاوز جامع عمرو بن العاص دوره كمسجد للصلاة، إلى اعتباره مركزاً إدارياً واجتماعيا مؤثراً، كما ضم بيت المال، بحسب وصف الرحالة ابن رسته، وهو بيت مال اليتامى وليس بيت مال الدولة الرئيسي.

حين تلمس الأقدام عتبات جامع عمرو بن العاص، يرن بالآذان صدى النداء الأول الذي انطلق من باكورة مساجد مصر منذ 1400 عام، تجربة عبر عنها زواره، وسجلها العامة والأئمة الذين صدحت حناجرهم في فضائه بالقرآن.

هذا الجامع، بحسب أصحاب تجارب عبروا عنها على مواقع التواصل، لا يزال مشبعاً بأنفاس آلاف المسلمين الأوائل، وملايين المسلمين الأواخر، رغم ما طرأ عليه عبر العصور، وما شهده من كوارث، وما استجد عليه مؤخراً من ترميم.

مسجد عمرو بن العاص وتبدو الواجهة الأمامية المميزة له كأقدم أثر إسلامي بمصر 

وفي الساحة الفسيحة المحيطة بالجامع الذي يقف وحيداً كأقدم أثر إسلامي بمصر، ينفتح الأفق على سماء صافية صفاء نادراً بالقاهرة المشبعة بالضجيج وعوادم السيارات في منطقة مصر القديمة، التي لا تزال تحمل مبانيها وشوارعها أجواء ربما تشبه تلك التي عاصرت لحظة افتتاح جامع في مدينة الفسطاط عاصمة مصر عقب الفتح الإسلامي بقيادة الصحابي الجليل عمرو بن العاص، في غرة المحرم سنة 20 هجرية الموافق عام 641 ميلادية، ليُعد مسجد عمرو بن العاص بذلك أول مسجد في هذه البلاد وأفريقيا والرابع في الإسلام، بعد مساجد البصرة والكوفة والمدينة حسب الروايات، والذي شارك في بنائه عدد من الصحابة.

في الساحة الفسيحة يفترش عدد قليل من الأسر الأرض انتظاراً لحلول وقت المغرب ليبدؤون في تناول طعام الإفطار، محاطين بسياج يحجب رؤية الساحة، لم يكن الأمر كذلك قبل عدة سنوات، حينما كان المسجد وساحته يعجان في شهر رمضان بعشرات الآلاف من المصلين من أنحاء القاهرة والأقاليم، الذين يبكرون بالمجيء لحجز مكان في مسجد يزدحم بالمصلين خلال ليال رمضان للصلاة وراء مشاهير القراء وعلى رأسهم الشيخ محمد جبريل.

صلاة التراويح في مسجد عمرو بن العاص خلال فترة كورونا

أجواء مفتقدة

يخطو أحمد عبد الله فوق ألواح الرخام ومهمات الترميم في الساحة باتجاه مدخل المسجد، وهو يقلب ناظريه في واجهة المسجد التي بدت لامعة من أثر الصقل بآلات حديثة، قائلا "جئت للمسجد حينما كنت طالباً ثم حينما صرت مترجماً، لم تكن الواجهة ولا الجدران ولا الأعمدة بهذا اللمعان، الذي جعله يبدو مسجداً فخماً حديثاً، كان قبل سنوات على حالته التاريخية مفعماً بعبق روحانيات سامية".

يضيف في حديثه "ربما يجد من زار المسجد من قبل مقارنة باليوم ضيقاً في صدره نتاج فقدانه تلك الروح، لكنه لا يزال ملهما بالتأكيد لمن يزوره لأول مرة" مشيراً إلى واقعة وقف الشيخ محمد جبريل عن الإمامة بالمسجد عقب دعائه على الظالمين خلال صلاة التراويح قبل سنوات.

وفي رمضان من كل عام، يعبر مغردون عن حنينهم للمسجد بحاله القديم، وأجوائه الأصيلة.

ثمة عادات صمدت أمام المتغيرات، فلا يزال يجري توزيع الحلوى الشرقية على المصلين بين ركعات التراويح الثماني، بينما تدور أكواب الشاي بين أيدي المصلين في الاستراحة بين الركعات، وهي "عادات أوجدتها ساعات الاعتكاف الطويلة في الجامع" بحسب حماده المطيري، وهو من سكان منطقة مصر القديمة.

وأضاف  المطيري  "اعتاد أهل الخير والميسورون في المنطقة المحيطة بالمسجد تقديم المشروبات والمأكولات لزوار الجامع، باعتبارهم ضيوفا على أهل المنطقة أيضاً، وإكرامهم واجب".

ذاكرة مصر القديمة

ويقع هذا الجامع في منطقة مصر القديمة، التي ورثت معالم عاصمة المسلمين الأولى في مصر، حيث جامع عمرو بن العاص، وبالقرب منه مجمع الأديان ومقابر تاريخية لأتباع مختلف الديانات.

مثّل الجامع في بدايته مركز جذب التأمت حوله القبائل العربية المرتحلة من شبه الجزيرة العربية، ليكونوا نواة سكان مدينة الفسطاط.

موقع مسجد عمرو بن العاص في منطقة مصر القديمة يمنحه خصوصيته 

ربما في واحدة من هذه الأنحاء المحيطة بالمسجد، علا صهيل خيل السباق وبعده صوت احتجاج المصري على ضربه بالسوط من قبل ابن عمرو بن العاص الذي يقول "أنا ابن الأكرمين" بحسب رواية لابن عبد الحكم أبو القاسم المصري في كتابه "فتوح مصر والمغرب".

يشير المؤرخ لواقعة استدعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لابن العاص وابنه لإنصاف المصري، والخليفة الراشد يقول للمصري "اضرب بالسوط ابن الأكرمين كما ضربك" ثم قال للحاكم: مذ كم تعبّدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارًا؟ فقال عمرو "يا أمير المؤمنين، لم أعلم، ولم يأتني".

كان هذا الجامع بداية إنشائه مركزا للحكم ونواة للدعوة للدين الإسلامي بمصر، وكان سقفه محمولًا على جذوع النخل وعلى جدران من الطوب اللبن، ثم زادت المساحة الكلية تدريجيًا حتى صار في العصر الأموي مكونًا من صحن أوسط مكشوف محاط بـ 4 أروقة أعمقها رواق القبلة.

عام 53 هـ أضيفت إليه منارات على هيئة أبراج تشبه تلك التي توجد في الجامع الأموي، وفي العصر العباسي زيد في مساحته حتى وصلت إلى ما يقارب مساحته الحالية، وظل المسجد محتفظاً بتخطيطه مع تغيير مواد البناء للحجر وذلك في العصرين المملوكي والعثماني.

في البدء "مسجد الفتح"

وسمى المسجد بادئ الأمر بـ "مسجد الفتح" ولاحقاً حمل اسم المسجد العتيق وتاج الجوامع، لما يتمتع به من اتساع كبير وعمارة فائقة، وكان له 6 أبواب.

تجاوز جامع عمرو بن العاص دوره كمسجد للصلاة، إلى اعتباره مركزاً إدارياً واجتماعيا مؤثراً، وفق مصادر تاريخية، ففيه كانت تنعقد محكمة لفض المنازعات الدينية والمدنية، كما ضم بيت المال، بحسب وصف الرحالة ابن رسته، وهو بيت مال اليتامى وليس بيت مال الدولة الرئيسي.

وكان ممن ألقوا فيه دروس العلم الإمام الشافعي، الليث بن سعد، أبو طاهر السلفي، كما خطب فيه العز بن عبد السلام، وانعقدت فيه حلقات علم لمختلف المذاهب، حتى قدر دارسون طلاب المسجد وقتئذ بنحو ألفي طالب، فضلا عن حلقة درس ووعظ للسيدات، كانت تقوم عليها إحدى النساء الشهيرات في زمانها، وهي أم الخير الحجازية عام 415 هـ.

توسيعات وترميمات

توالت الإصلاحات والتوسعات بعد ذلك على يد من حكموا مصر، ومع كل توسعة تتضاعف مساحته، إلى أن اضطر الوزير شاور بن مجير بن نزار السعدي لحرق العاصمة بما فيها الجامع (توفي بالقاهرة 3 فبراير/شباط 1169) في عهد الملك العاضد لدین‌ الله إبان الحملة الصليبية على بلاد المسلمين وتحديدا عام 564 هـ، خوفا من احتلال الصليبيين لمدينة الفسطاط، وشعورا بالعجز عن الدفاع عنها.

وأمر الناصر صلاح الدين الأيوبي بإعادة إعمار المسجد من جديد عام 568 هـ، فأعيد بناء الجامع والمحراب الكبير الذي كسي بالرخام ونقش عليه نقوشا منها ما هو باسمه.

وزاد الأمير مراد بك عام 1212 (عصر العثمانيين) في عمارة الجامع من الداخل، وبنى به منارتين هما الباقيتان إلى الآن، وقام بعمليات ترميم بعد سقوط إيوانه وميل أعمدته، اعُتبر ترميماً غير منتظم ولا متناسق.

ورغم ذلك جرى الاحتفال بانتهاء الترميم في الجمعة الأخيرة من رمضان، وجرت العادة منذ هذا الوقت بالاحتفال الشعبي الكبير بآخر جمعة في رمضان في هذا المسجد بصلاة الأمراء والملوك.

في مارس/آذار 1996م انهارت قطعة بمساحة 150 متراً من سقف المسجد بإيوان القبلة، قيل وقتها أنها نتاج أخطاء الترميم التي قام بها مراد بك، فتم فك إيوان القبلة وإعادة البناء وتصويب الأخطاء المعمارية.

وشهد عقد التسعينيات الماضي، عموماً، عدة كوارث لحقت بالمسجد منها الزلزال الشهير الذي هز مصر كلها عام 1992م، فأصيبت بعض أعمدة المسجد وجدرانه بشروخ وتصدعات استلزمت ترميمه.

كما انهار جانب كبير من سور حرم الجامع عام 1994م، فقامت هيئة الآثار بإقامة سور بديل خرساني بارتفاع 6 أمتار حول الجامع ومرافقه.

وتبلغ مساحة الجامع اليوم حوالي 13 ألفا و200 متر، ولا يزال يمارس دوره بين الحين والآخر في خدمة الناس بمصر اجتماعيا.

وقال عن جامع عمرو بن العاص الشيخ الراحل محمد الغزالي -في تصريحات صحفية- أنه كان يجب أن يكون جامعة أهلية، بينما اعتبره الشيخ الراحل عبد الصبور شاهين مركز إشعاع ديني، مضيفاً بتصريحات صحفية "هو أزهر قبل الأزهر".