لم يخرج الإنسان من قشرته المتوحّشة
تتفشّى صورة الحرب العالمية الثالثة المسكونة بهواجس نووية بين روسيا وأوكرانيا وتسحب انتباه العالم لتطويق تداعياتها وقلق المستقبل الاقتصادي. إلاّ أنني راغب بتجاوز التخيلات والسادية في تحليلات «الخبراء» الحارة والفاترة هنا في أوروبا للتذكير فقط بالحروب «كضرورة لنشأة البشرية» أصاب فيها أرتسيباسوف، لكنّه تسلّى في كتابه «خارج نطاق الشرعية» بتعداد هذه الحروب حتى نهاية 1988، راصداً 14513 حرباً، فقدت البشرية عبرها 3 مليار و640 مليون إنسان وخسرت بتقديره شريطاً من الذهب عرضه 8 كم وسماكته 10 أمتار يمكن تطويق خصر الكرة الأرضية به عند خط الاستواء.
سيطول الشريط لو أكملنا التسلية عنه في احتساب الحروب بعد هذا التاريخ أي خلال 34 سنة، من العراق وتوابعها إلى الكوفيد، ليعكس أمامنا مستقبل العظمة الدولية التي تمسك مجلس الأمن من عنقه لتتقدم مصالح الدول والحلفاء في الكرة الترابية بمحيطاتها والبحار وحتّى في الفضاء. من يتذكّر الثورات الملوّنة كملمحٍ للنزاعات الجيوسياسية التي نعايش بقاياها الدموية باسم «الربيع العربي» نراها براعم غشّاشة لـ»القوى الناعمة» قطرت خلفها مدناً وخرائب «الفوضى الخلاّقة» تحت سماء الانشغال الدولي بحثاً عن نظامٍ عالمي جديد. صحيح أن روسيا تنبَّهت وتتنبه لهذا الأمر بما يُقلق أوروبا ودول العالم مُتأخِّرة، وهي تترجم ذلك بمقارباتها للعديد من الملفَّات الإقليمية، كان آخرها إستراتيجياتها المتأرجحة في حرب الغاز وأنابيبه وفرض أثمانه بالروبل بما فاجأ العالم حول شكل العظمة الدولية ومستقبلها، ألمسها في مخاطر فكّ أواصر الوحدة الأوروبية.
رافقتنا بكثيرٍ من الوضوح استعادة الروسيا لآليات عظمتها وأدواتها مذ وطئت سورية لتشعر بوهجها الإمبراطوري من هناك عبر دعمها الأولي قالبةً المعادلة على الأحلام بمدّ الغاز إلى أوروبا ومطيحةً بمشروع «نابوكو»، مّا ينعكس على العديد من الملفات العربية واللبنانية تحديداً الذي يصدّق لبنان نفسه باحتلاله موقعاً مميزاً على الخريطة الدولية، مع كشف الأغطية عن حقول الغاز الطبيعي الهائلة على شواطئه، وهي اكتشافات كانت معلوكة ومرذولة في دوائر الوعود الغامضة، بالرغم من تعقيداته السياسية الداخلية والإقليمية، الذي سيعيد استقراره وإنعاش اقتصاده وإزاحة صخرة الدين العام عن صدره والفقر عن كاهله كما يشيع مرشّحو البرلمان وبقايا برلمانه.
لنقل بكلمتين، إن التجاذبات القديمة بين الدب الروسي والنسر الأميركي والصين الجاهزة لالتهام الشمس وبينها الاصطفافات المتشابكة والتجاذبات المعقدة جداً التي قد تؤدي لبقاء شعوب العالم تدفع أثماناً باهظة لإعادة بناء مستقبلها الذي هو بحاجة دولية أبداً لإعادة بنائه بالمعاني الاستراتيجية اللامتناهية.
سأخرج من هذا القلق العالمي والأوروبي الفرنسي العظيم أرصده من باريس بالدقائق، مجازفاً بالقول إنّ الإنسان حتى الغربي بمعناه السلطوي لم يخرج نهائياً بعد من قشرته الأولى وكأنه عاد أو يعود إليها في حنين نرجسي بما يمكنني من سجن الحضارة والحرية والديمقراطية وغيرها من المظاهر بين قوسين متسائلاً عن معنى هذا الجرف والنهم التاريخيين في الحروب وأهدافها.
ببساطة، الحرب هي الحرب التي تلازم إشباع غريزة العنف لدى إنسان السلطة المتوحّش. وليس أفضل من اشتقاق مصطلح «حرب» تفسيراً له في لغتنا الضاد:
الحرب هي الحبر الأحمر كيفما كان أو جاء فلونه مشابه لدماء الجرحى والضحايا المهدورة المسحوقة كما الحشرات وهو أسود عند توصيف الحروب أو في لباس الحزانى والمكلومين والتائهين الفارين من الموت الجائعين في الأرض. والحرب هي الربح الفردي ومعه تأخذ وجهها الدولي الجميل لكنه الزائف والمؤقّت والزائل حيث الانتصارات والنياشين والأوسمة وترقية الضباط والمقاتلين ورفع النصب التذكارية والتماثيل لهم والنقوش، حتّى ولو كانت الأرباح عشوائية ومؤقّتة ومُكلفة وزائلة بتقلّبات السياسة والأحلاف والمصالح بين الدول الممثلة بأفراد.
الحرب رحبة في مداها التاريخي والوجود الذي لا حدود فيه لأطماع الإنسان إذ لم يترك البشر فيه نقطة أو حيّزاً إستراتيجياً لم يُستثمر لمضاعفة القتل والفتك والتشنيع في الحروب. والحرب براح في الأرض على مدى الأجيال في الذاكرات واللوحات والساحات والكتب المدرسية تستمرّ لتشغل بوطأتها الأزمنة والأمكنة والنصف المظلم من عقول البشر. والحرب أخيراً بهذا المعنى، بحور واسعة ومحيطات تختلط مياهها بالدماء وبدموع الجرحى والثكالى والمساكين في الأرض.
آه، لو أستطع نقل ما يتلفّظ به طلاّبنا مثلاً في الجامعات الفرنسية في نابليون بونابرت؟ لا يُصدّق!
هذا ما يتلوّن أمامنا، اليوم، وكأننا أمام مشروع كان يتطلّع إلى أخذنا جميعاً بهدف جذب الروسيّا نحو «الكثلكة» لتبشير آسيا، لتصبح القدس عاصمة «إسرائيل الدولة اليهودية» ومقرّاً للسفارات الكبرى، فتلتفت روما إلى القدس ويتصالح الشرق مع دين إبراهيم.