أول الرقص حنجلة ... امتحان الثانوية العامة امتحان لوزارة التربية والتعليم وليس للطلبة.
في الموروث الشعبي الأردني مثل يقول: "أول الرقص حنجلة". و"الحنجلة" هي طريقة مشي طائر الحجل، والتي هي أقرب ما تكون للرقص منها للمشي. ويستخدم المثل عند ظهور بوادر لا يحبها القائل، ولا يرتاح لها؛ فالثقافة العربية ليست مفتونة بالحنجلة، ولا تقدر عاليا الراقصين، ولها موقف من الفنون بأشكالها المختلفة.
بعد ثلاث سنوات من الكورونا وضعف وزارة التربية والتعليم في التعاطي مع تداعيات الجائحة على طلبة المدارس ومجتمع المدرسة بشكل عام، حذرنا، مراراً وتكراراً، من الوصول إلى مرحلة تعميق فجوة التعليم، وحرق مراحل تعليمية، واتساع فجوة الفاقد التعليمي التراكمي عند الطلبة، وهذا ما سمعناه منذ أيام من مدير عام القياس والتقويم والامتحانات في وزارة التربية والتعليم د. محمد عواد "إن هنالك ضعفًا تراكميًّا بمختلف الامتحانات، وهناك أداءات متواضعة"، لذلك كان الأجدر بوزارة التربية والتعليم أن تتبنى تدخلات من شأنها تغطية وتعويض الطلبة حقيقياً عمّا فاتهم خلال فترات تقطع العملية التعليمية، كما عملت أغلب دول الإقليم، حيث عملت على إطلاق برامج تعويضية للطلبة حتى لا نصل إلى النتائج التي نواجهها اليوم.
على وزارة التربية والتعليم أن لا تستغرب أن طالب الصف العاشر، على سبيل المثال، يمتلك مهارات طالب في الصف السادس، وهذا حقيقي، ويجب استيعابه؛ لأننا لم نعمل على ردم هذه الفجوة بالشكل الصحيح، ولا التوقيت الصحيح، وكنا وما زلنا نعمل بنظام الإطفائية. وفي قطاع التعليم، هذا النهج غير صحيح وغير منطقي، إذ لا يمكن أن تعمل الوزارة بنظام الطوارئ، وتنتظر الأمور حتى تراى نتائجها الكارثية. في العديد من المدارس التي طالت فيها مدة إغلاق المدارس، ينتقل الطلاب إلى صفوف أعلى دون أن يستوعبوا ولو جزءا صغيرا مما تم تدريسه في الصف السابق. وإن لم يتم تعويض ما فات، ولا سيما للأطفال في الصفوف الدراسية الأولى، حيث تكون الخسائر أفدح، قد ينتهي بهم المطاف إلى التسرب من الدراسة.
"الوزارة اكتشفت أن هناك ضعفًا تراكميًّا"! آسف هذا ليس اكتشافًا، إذ وبعد هذه الطريقة والمنهجية في التعاطي مع أزمة كورونا فإنه إذا لم تظهر مشكلة لدى الطلبة في التراكمية التعليمية فإن هذا يعني أن هناك خطأ في العلم الذي تعلمناه في حياتنا، ومن الطبيعي جدا أن تجد الطلبة غير قادرين على الربط والتحليل بسبب تقطع العملية التعليمية لأكثر من مرة، وكنا نكتفي كل مره بكلمات رنّانه تتحدث عن التعويض وضرورته، وخطط جميلة ومدققة ومصممة بأجمل الألوان، لكن لتحفظ في الأدراج فقط، وليقال "قدمنا خطتنا للتعامل مع الأزمة للمجلس أو الجسم الفلاني". عن أي مجلس أو جسم تتحدثون؟ هذا مستقبل أكثر من مليون طالب/ة، فلا تعبثوا بمستقبلهم وبمشاعر أسرهم.
هل تعي الحكومة آثار الفاقد التعليمي ونتائجه على المستويات الاجتماعية والصحية والاقتصادية؟ ففي بعض الدول قُدرت الخـسائر الاقتـصادية بمليارات الـدولارات ما لم يتم استدراك الفاقد التعليمي. ولأن الفاقد التعليمي بحاجة إلى عملية تكاملية لاستدراكه، والذي يحتاج وقتًا لتحقيقه، فقد أقـرت سياسات وتدخلات عامة لاستدراكه، وصعدت قـضيته لأعلـى المـستويات، ورصـدت الميزانيـات، واسـتقطب الخـبراء لتحديـد الاسـتراتيجيات القائمـة علـى الـدلائل ذات الفاعلية في استدراك الفاقد التعليمي، فماذا فعلنا نحن؟
على وزارة التربية والتعليم أن تعمل على تطوير نظام قياس قادر على تحديد حجم الفجوة التعليمية على مستوى المراحل الدراسية، وعلى مستوى مناطقي، فهناك تباين في إغلاق بعض المدارس في ظل عمل أخرى، سواء في فترة جائحة كورونا أو خلال فترة إضراب المعلمين الأول والثاني. ليكن التقييم شموليًّا أكثر، وليتم تصميم تدخلات حقيقة وفعالة وقابلة للقياس، لتبعث رسالة طمأنينة للطلبة وذويهم الذين ينتظرون 12 عامًا حتى هذا اليوم، إذ إنهم لن يرحموكم، ولن يسامحوكم في مستقبل أبنائهم.