سباق الفضاء يرسم ملامح الصراع على قيادة العالم
نشأ سباق الفضاء أواخر خمسينيات القرن الماضي بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي إبّان الحرب الباردة، حيث شكّل الفضاء إحدى ساحات الصراع الهامة بين القوى العظمى، تنافست فيها على مدار نصف قرن، واعتبر سباق الفضاء مهماً جداً لأنه أظهر للعالم أي الدول لديها أفضل نظام علمي وتكنولوجي واقتصادي.
ولا تزال برامج الفضاء يُنظر لها كدليل على الهيبة الوطنية، كما هو الأمر بالنسبة للقوة الجيوسياسية والعسكرية وكذلك العلمية والاقتصادية. وكانت قد أعلنت قوى دولية مثل الصين، وأوروبا (الاتحاد الأوروبي ووكالة الفضاء الأوروبية)، والهند ، واليابان، وحلف الناتو ، وروسيا، والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا عن مواصلة بناء البنية التحتية الفضائية، مع خطط لما لا يقل عن خمس محطات جديدة بحلول عام 2030، ومن المتوقع أيضاً الإنتهاء من إنشاء محطة الفضاء التجارية الأولى في العقد المقبل.
2022 "عام السباق المتسارع نحو الفضاء"
حددّ المنتدى الاقتصادي العالمي في تقريره الإستشرافي " تقرير المخاطر العالمية 2022"، الذي أصدره بداية العام، أبرز التهديدات التي تواجه الاقتصاد العالمي، ومن أهمّها السباق المتسارع نحو الفضاء.
وقد أعربت عدد من دول العالم عن اهتمامها بارتياد الفضاء، لما يمثّله ذلك من فرصة للقوى الدولية لتوسيع نفوذها الجيوسياسي والتجاري، ومن أبرز هذه الدول: الأرجنتين، والبرازيل، والمكسيك، ومصر، وإيران، وتركيا، والمملكة العربية السعودية، وجنوب أفريقيا، والإمارات العربية المتحدة، وأستراليا، وإندونيسيا، وماليزيا، ونيوزيلندا، وكوريا الجنوبية وفيتنام .
وكانت الولايات المتحدة الأميركية قد أطلقت في العام 2017، برنامج أرتيمس" Artemis" الذي يهدف لإعادة استكشاف القمر والمريخ نحو ترسيخ وجود مستدام على سطح القمر، وفي العام 2020 قدمت المبادئ الأساسية التي ستقوم عليها الاتفاقيات في مجال الفضاء التي اقترحتها، وبلغ عدد الدول الموقّعة على اتفاق "أرتيمس" 21 دولة حتى تاريخ كتابة هذا المقال.
وبحسب تقرير نشرته وكالة المخابرات المركزية الأميركية، في نيسان /ابريل 2022 بعنوان «تحديات الأمن في الفضاء 2022»، فإن عمليات المعسكر الشرقي المضاد (الصين وروسيا) في الفضاء، قد شهدت ازدياداً في كل المجالات الرئيسية تقريباً، بما في ذلك الاتصالات، والاستشعار عن بعد، والملاحة، والعلوم والتكنولوجيا. وأشار التقرير إلى أن موسكو وبكين تعملان على زيادة إنفاق كل منهما على العمليات الفضائية، بنسبة كبيرة تصل إلى نحو 70% منذ عام 2019.
استقطاب دولي ( المنطقة العربية أنموذجاً)
وفي ضوء هذا السباق المتسارع نحو الفضاء، بدأت عمليات الاستقطاب من كلا المعسكرين، فيما يبدو أنها جزء من الصراع على قيادة العالم، وإذا ما أخذنا الدول العربية أنموذجاً، فقد انضمّت الإمارت العربية المتحدة لدول إتفاق "أرتيمس" للتعاون الفضائي في العام 2020، بعد شهر من تطبيع علاقاتها مع "إسرائيل"، وتبعتها دولة البحرين التي دخلت اتفاق "أرتيمس" في العام 2022.
ومع توقيع الرياض عدداً من الاتفاقيات مع واشنطن ، على هامش زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن للمملكة العربية السعودية بتاريخ 15 تموز/ يوليو 2022، والتي شملت اتفاقية أرتيمس مع وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) لاستكشاف القمر ، يمكن القول أن السعودية قد انضمّت رسمياً للمعسكر الغربي.
وعلى الرغم مما جاء في البيان الختامي لـ"قمة جدة للأمن والتنمية" التي عُقدت في 16 تموز/يوليو 2022 لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والأردن ومصر والعراق والولايات المتحدة، حول ضرورة التوصل لحل عادل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أساس حل الدولتين، ووقف كل الإجراءات الأحادية التي تقوض حل الدولتين، واحترام الوضع التاريخي القائم في القدس ومقدساتها، فإن الاتفاقيات السعودية الأميركية، تعزّز من فرص تطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية، واتّساع رقعة التطبيع العربي الإسرائيلي، كاستحقاق للإنضمام للمعسكر الغربي، على اعتبار أن أمن "إسرائيل" يعتبر ركيزة أساسية وضرورة حيوية لحماية مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وفي المقابل فإن الثمن الذي ستدفعه كل من الولايات المتحدة و"إسرائيل" من أجل تشجيع الدول العربية نحو التطبيع، لن يتجاوز سلسلة من التسهيلات التي تتعلّق بالحياة اليومية للفلسطينيين، وهذا ما أكّده بايدن بنفسه في مؤتمر صحفي مع نظيره الفلسطيني محمود عباس على هامش زيارته مدينة بيت لحم بتاريخ 15 تموز/يوليو 2022، بقوله " خيار حل الدولتين هدف بعيد جدا الآن"،حيث اختزل بايدن الرؤية الأميركية لحل الصراع، بالإعلان عن تقديم 200 مليون دولار لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، و100 مليون دولار لمنظومة المستشفيات بالقدس، وإنخراط إدارته في محادثات مع "إسرائيل" لتحسين الظروف الاقتصادية للشعب الفلسطيني، وبناء شبكة الجيل الرابع للهواتف، وتقديم الطاقة المتجددة .
وفي مقابل انضمام السعودية والإمارات للمعسكر الغربي، اختارت جمهورية مصر العربية المعسكر الشرقي، حيث ما زالت مصر تعتبر روسيا شريكاً استراتيجياً هاماً في مجال تنمية صناعة الفضاء، حتى بعد التحوّلات الأخيرة ما بعد الحرب الروسية الأوكرانية.
وفي ظل حالة الاستقطاب واحتدام التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا، وفرض العقوبات الغربية على روسيا، منذ بدء الأزمة الاوكرانية، وقعّت إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) ووكالة الفضاء الروسية (روسكوسموس) بتاريخ 15 تموز/يوليو 2022 اتفاقاً لتشارك الرحلات إلى محطة الفضاء الدولية، ما يؤكد وجوباً على أن الهيمنة الأميركية لم تعد مطلقة، والمواجهة بين المعسكرين الغربي والشرقي باتت تقوم على مبدأ النديّة، وأن العالم لم يعد كما كان من قبل الحرب في أوكرانيا.
خاتمة
لن يكون الفضاء ساحة النزال الدولية الوحيدة، وقد يشهد هذا العام وما بعده تصاعداً في حدة الصراع والتنافس الدولي في ساحات ومجالات أخرى، مثل الأمن السيبراني والطاقة المتجددة والصناعات العسكرية، وغيرها من المجالات التي تُقاس بها قوة الدول .
وفي ضوء ما سبق، يمكن القول أن الحرب الروسية الأوكرانية، قد سرّعت من وتيرة الصراع على قيادة العالم، وأنّ الأحادية القطبية قد انتهت، خاصة وأن الأحداث والتحولات الجارية تتشابه مع المسارات التي كانت إبّان الحرب الباردة -عصر القطبية الثنائية-، ولعلّ تصريح بايدن على هامش زيارته الأخيرة للسعودية "أن بلاده لن تترك فراغاً في الشرق الأوسط لتشغله روسيا والصين" ما هو إلا اعتراف ضمني بالمحاولات المضنية من قبل الولايات المتحدة لمحاولة استعادة قيادة النظام الدولي.