ماذا يُقرأ من تصريحات شولتس حول القضية الفلسطينية؟
رفض المستشار الألماني أولاف شولتس طلب الرئيس الفلسطيني محمود عباس الاعتراف بالدولة الفلسطينية، عقب مؤتمر صحفي مشترك عُقد بتاريخ 16 آب/أغسطس 2022،في برلين، قائلاً: "الوقت ليس مناسباً للاعتراف بدولة فلسطينية، ويجب أن تستند الخطوات الأخرى إلى حل تفاوضي مع إسرائيل[1]".
ويبدو الموقف الألماني متّسقاً مع الموقف الأميركي، الذي عبر عنه الرئيس جو بايدن بقوله "إن خيار حل الدولتين هدف بعيد جداً[2]"، تماماً كما هو الأمر بالنسبة إلى روسيا، التي كان قد أجرى كل من بايدن وشولتس محادثات في شهر شباط /فبراير 2022، في محاولة لتوحيد المواقف الغربية ضدّها[3].
مما لا شكّ فيه أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا قد أعادت زخم العلاقات الأوروبية الأمريكية بعد أن تأثّرت بشكل كبير في حقبة الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترامب، الذي كان يحارب العولمة الاقتصادية وتُشكّل سياساته خطراً على المصالح الأوروبية، هذا فضلاً عن خروج بريطانيا الحليف الأكبر للولايات المتحدة الأميركية من الاتحاد الأوروبي. وعليه يمكن القول أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا قد أثّرت على التقييم الأوروبي الرسمي العام فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
ولا يمكن إغفال أثر تطبيع علاقات بعض الدول العربية مع الكيان الإسرائيلي على الموقف الأوروبي إزاء القضية الفلسطينية، والذي يمكن لمسه من تصريحات السفير الفرنسي لدى الكيان الإسرائيلي إريك دانون التي أدلى بها على هامش جلسة تفاكرية نظمتها منظمة "ألينت" الإسرائيلية التي تُعنى بالترويج لتعزيز العلاقات الاستراتيجية الأوروبية الإسرائيلية بتاريخ 7 تشرين أول/ أكتوبر 2020 ، ولمّح فيها إلى "عدم استبعاد إمكانية تصوّر مختلف عن حل الدولتين"، وأضاف: " أن على الفلسطينيين أن يأخذوا بالحسبان وضعهم الضعيف على الساحتين الدولية والعربية".[4]
ويبدو أن الإدارة الأميركية تحاول استثمار هذا التحوّل الأوروبي، من أجل دفع عجلة التطبيع العربي مع الكيان الإسرائيلي من جهة، واحتواء الأنظمة العربية المناهضة للتطبيع من جهة أخرى. وإذا ما أخذنا تونس مثالاً، فقد أكّدت الخارجية الأميركية في تصريح صحفي على لسان المتحدث بإسمها نيد برايس بتاريخ 25 تموز/يوليو 2022 على هامش الاستفتاء التونسي على مشروع الدستور الجديد : " مواصلة الوقوف إلى جانب الشعب التونسي في دعوته للعودة إلى حكم ديمقراطي متجاوب وشفاف وخاضع للمحاسبة ويحترم حقوق الإنسان ويضع المستقبل الاقتصادي للبلاد على رأس الأولويات[5]".
ويأتي ذلك في إطار التدخّل الأميركي في الشأن التونسي الداخلي، ولا يُستبعد أن يكون هناك سيناريوهات أميركية قادمة لتونس تقوم على الإحتواء أو حتى تغيير نظام الحكم، خاصةً وأن الولايات المتحدة ترى في سياسات الرئيس التونسي قيس سعيد تقويضاً لمصالحها في المنطقة.
فهل تستطيع الولايات المتحدة "الوقوف" إلى جانب الشعب التونسي كما وقفت من قبل مع الشعوب العربية في مصر والسودان وليبيا وسوريا والعراق .. أم أن كرة النار المشتعلة في أوكرانيا وفي الساحة الدولية عموماً ستحمي تونس وتُحيّد تأثير الولايات المتحدة فيها ؟!.
وفيما يتعلق بالدبلوماسية الفلسطينية في ظل هذه التحوّلات، فإن القيادة الفلسطينية تعوّل على وجود رأي عام أوروبي أقرب إلى الفلسطينيين، وستبقى تواصل العمل والضغط باتجاه انتزاع قرارات واعترافات أوروبية رسمية بفلسطين، حيث أن هذه الاعترافات التي تسعى لها فلسطين من شأنها أن تعزز المخزون القانوني والدبلوماسي الفلسطيني في إطار مسيرة النضال المستمرة على مختلف الجبهات والمساحات والميادين.
فادي أبو بكر
كاتب وباحث فلسطيني
fadiabubaker@hotmail.com
[1] شولتس لعباس: الوقت ليس مناسبا للاعتراف بدولة فلسطينية، دويتشه فيله، 16/8/2022: https://bit.ly/3QOvgQc.
[2] كلمة الرئيسين الأمريكي والفلسطيني في مؤتمر صحفي جمعهما في بيت لحم، قناة الجزيرة على اليوتيوب، 15/7/2022: https://bit.ly/3psQY0P.
[3] بايدن وشولتز يبحثان توحيد المواقف الغربية ضد روسيا، الشرق الأوسط، 8/2/2022: https://bit.ly/3SXr7eO.
[4] بعد تلميحها بالتخلي عن حل الدولتين.. هل غيّرت فرنسا موقفها من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟، الجزيرة نت، 10/10/2020: https://bit.ly/3QSp4qy.
[5] الخارجية الأميركية للحرة: سنواصل الوقوف إلى جانب الشعب التونسي، الحرة، 25/7/2022: https://arbne.ws/3K8ujA4.