معبر دامية نافذتنا نحو التصدير
الحياة مزيج من إزدهار وفرحة على صعيد، وإحباط وبؤس من ناحية أخرى فلا تخلو من الصعوبات، ومخطىء من يعتقد أنها جنة مزدهرة، او نعيم دائم، بل إننا نعلم علم اليقين انها تحتوى في طياتها ألوان مختلفة كما تحمل بريق ايام وتحمل ظلاماً دامساً للأسابيع ، فأحياناً تأتي معها الفرحة وتجلب البؤس، وكما تبدو السماء ملبدة بالغيوم وتنقشع الغيوم في يوم صافي ، هذه هي الحياة، فلا تغمرها بالهم والغم، ولا تكسر نفسك وترهقها.
فبعد اكثر من 55 عاماً ، نحتفل لأول مرة بالسماح لحاوية تحتوى على منتجات غذائية بالدخول من خلال معبر الكرامة (جسر الملك حسين)، واخرى بالخروج للاسواق العالمية، إن انسياب التجارة بين كل دول العالم تتم من خلال حاويات ، يبقى الفلسطينين مهمشين بالاجراءات الاسرائيلية على المعابر والتى تلزم المستورد والمصدر الفلسطيني في شحن منتجاته على "طبليات" وتنزيل المنتجات وفحصها امنياً، يضاف عليها اجراء النقل من شاحنة الى اخرى. نحتفل اليوم بإنجاز مهم ، قد يستغرب العالم أجمع من الإنجاز ، لكن أقول كل شيء عادي لكل العالم ليس عادياُ لأي فلسطيني.
إن اهمية قطاع التجارة الخارجية في دعم الاقتصاد الفلسطيني ودورة المحوري في رفد الاقتصاد الوطني سواء من حيث حجمه أو تأثيره البنيوي والتنموي، ويعود ذلك لعوامل عديدة تتعلق في مجملها بتأثير هذا القطاع على الفروع الاقتصادية الإنتاجية وسوق العمل وميزان المدفوعات مستويات الأسعار من ناحية، ودورها الأساسي في توفير احتياجات السوق المحلية من مستلزمات الإنتاج والسلع الاستهلاكية وتسويق المنتجات الفلسطينية ذات الارتباط الوثيق بالأسواق الخارجية من ناحية أخرى، ويعاني قطاع التجارة الخارجية الفلسطيني من تشوهات هيكلية عميقة ناجمة سياسات سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
وبقراءة متواضعة في الاحصاءات للإقتصاد الفلسطيني، فإن الإنتاج الفلسطيني يغطى ما نسبتة 20% فقط من السوق الفلسطينية، وأن 80% من المنتجات التي تورد إلى فلسطين منتجة في إسرائيل بحجم استيراد يصل لنحو 5 مليارات دولار سنويا. أن الواردات الفلسطينية من إسرائيل لا تخضع للضرائب لكن جزءا كبيرا منها يتكون من سلع منتجة في باقي أنحاء العالم ويعاد تصديرها إلى الأراضي الفلسطينية من إسرائيل فتعود إيرادات هذه الواردات إلى الخزانة الإسرائيلية. وتشير دراسات نشرت سابقا أن الاقتصاد الفلسطيني يعاني من وجود تسرب مالي كبير نتيجة لارتفاع حجم الواردات غير المباشرة، لو توفرت هذه الأموال للاستخدمت كحافز مالي للفلسطينيين ولكان من الممكن زيادة الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني بنسبة إضافية قدرها 15%، أي نحو 500-700 مليون دولار، ولكان من الممكن أيضا زيادة فرص العمل بنسبة 6% أي ما بين 50 و60 ألف فرصة في العام.
ومن معوقات التصدير والاستيراد من خلال الأردن ، إقتصار عملية السفر للمواطنين والبضائع من خلال معبر واحد " جسر الكرامة" ، وإغلاق المعبر الثاني " جسر دامية" منذ عام 2005، حيث تم استخدام الجسر منذ عام 1991 لنقل البضائع فقط من الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر من جهة، والأردن من الجهة الأخرى، حتى وقوع انتفاضة الأقصى ، عندما أغلقته السلطات الإسرائيلية لأسباب أمنية، وحوّلت المرور منه إلى معبر جسر الملك حسين (جسر اللنبي). لايزال الجسر المعدني الأردني موجودًا، إلا أنه لا يُستخدم حاليًا. تم اعتباره في عام2005 ، منطقة عسكرية مغلقة من جانب إسرائيل، إلا أن السلطة الفلسطينية قامت في نفس العام بالتفاوض مع الأردن من أجل تفعيل المرور من الجسر على الجهتين، مع العلم أن جميع معابر الضفة الغربية هي بيد إسرائيل منذ عام 1967.
كما أن معوقات عملية التجارة الخارجية ارتباطنا ببروتوكول باريس الاقتصادي 1994 الذي حد من قدرة الاقتصاد الفلسطيني على النمو، كونه جعل التبادل التجاري محصورا بين فلسطين ودولة الاحتلال الإسرائيلي بالدرجة الأولى، بالاضافة الى عدم تنظيم العلاقة التجارية بين فلسطين والاردن ودول العربية الاخرى. ويتمثل بالاجراءات الاسرائليلة على المعابر التجارية ، حيث يتم تنزيل البضائع من الشاحنات الأردنية ليتم فحصها ثم نقلها إلى الشاحنات الفلسطينية. احتجاز إسرائيل للشاحنات التجارية الفلسطينية لعدة ساعات على المعبر، تحت الشمس؛ نتيجة فرض نظام تحميل وتنزيل؛ بذرائع أمنية؛ ما يؤدي إلى تلف البضائع الفلسطينية وخاصة المنتجات الزراعية، وفقدانها القدرة على المنافسة؛ وتكبد التاجر الفلسطيني مبالغ باهظة إضافية.
التخليص الجمركي ومعوقات عملية الاستيراد حيث يتمثل الشكل الآخر من الصعوبات بالجمارك الإسرائيلية لا تعترف بالاتفاقية الأوروبية الفلسطينية، التي تعفى بموجبها الواردات الفلسطينية من الجمارك؛ لذلك، على التاجر الفلسطيني أن يحضر بضاعته بموجب الاتفاق الإسرائيلي-الأوروبي؛ ما يؤخر الاستيراد؛ أو أن يدفع كل ما يستحق عليه للجمارك الإسرائيلية.
ومن اشكال الخروقات التى يمارسها الاحنلال على التاجر الفلسطيني والتى تتعارض مع اتفاقة باريس الاقتصادية ، والتى تنص على حرية الحركة للبضائع بين الضفة واسرائيل على التاجر الفلسطيني أن يوقع على تعهد بأن بضائعه ستباع فقط في مناطق السلطة الفلسطينية ، على جميع المعابر، ؛ ومثل هذا التعهد لا يوقعه التاجر الإسرائيلي. كما أنة يمنع دخول المخلص الفلسطيني متابعة الشحنات داخل الموانىء والمطارات الإسرائيلية مباشرة؛ وإنما عبر وكيل إسرائيلي معتمد للقيام بإجراءات التخليص.
أما على صعيد المواصفات الاسرائيلية فإن التاجر الفلسطيني يجب علية الحصول على موافقات من مؤسسة المواصفات الاسرئيلية "تيكن" ، ولكي يحصل على الموافقة علية التعامل مع إجراءات المعقدة ، من الانتظار اكثر من شهر، دفع مبالغ طائلة ، - يصعب الحصول في أغلب الأحيان على المواصفات الإسرائيلية الأعلى من المواصفات الدولية ، ولا تقتصر على هذة لكن تصل المعيقات الى ما يمكن سردة الى ما يلي:-
- المواصفات الإسرائيلية لا تأخذ بعين الاعتبار متطلبات السوق الفلسطيني.
- المواصفات الإسرائيلية لا تعترف بشهادة الفحص الأوروبية أو الأمريكية؛ والفحص يجب أن يتم في معهد المواصفات الفلسطيني عند الاستيراد؛ ما يضيف تكاليف إضافية على كاهل التاجر الفلسطيني؛ علما بأن رسوم الفحص عالية نسبياً؛ كما إنه يؤخر عملية التخليص.
- نتائج فحص الجانب الفلسطيني تأخذ وقتًا طويلًا قد يصل إلى أشهر؛ بينما التاجر الإسرائيلي يحصل على نتائجه خلال أيام قلائل.
السؤال الذي بحاجة الى إجابة اين نحن من الإستقلال التجاري والاقتصادي ، والتحرر من التبعية الاسرائيلية ، وبما أننا قد بدأنا ان نقوم بجزء من الانجاز بعد أكثر من 55 عاماً فهل سننتظر مئات السنين لتحقيق انجاز آخر؟ باعتقادي وبشكل مجرد استخدام معبر تجاري( معبر دامية) خاص بين فلسطين والاردن سيساعد في التحرر الاقتصادي من الجانب الاسرائيلي، وسيمكن الاقتصاد الفلسطيني من تعزيز مكانته بتصدير الحاصلات الزراعية واستيراد مدخلات الانتاج من الاردن او من خلال الاردن، لقربة جغرافياً وسهولة الوصول الية.
كما يجب العمل على تعزيز العلاقة التجارية الفلسطينية العربية واستيراد منتجات بديلة عن المنتج الاسرائيلي ، والاستفادة من اتفاقيات التجارة الموقعة مع الجانب الاردني على سبيل المثال لاستيراد بضائع ، او العمل على ايجاد منتج وطني فلسطيني بديل ذات جودة عالية .
وزيادة العمل على مضاعفة المحاصيل الزراعية القابلة للتصدير، وتصديرها للاسواق العالمية .
فلنحتفل قريباً ولنسابق الزمن بمزيد من الانجازات للتاجر والمواطن الفلسطيني، ولنعمل على فتح معبر دامية ليصبح معبراً تجارياً خاصاً للفلسطنين.
بقلم: الدكتور سعيد صبري- مستشار اقتصادي – شريك وممثل لصندوق دعم المشاريع الناشئة- فاستر كابتل –دبي