سلسلة من عمليات القتل المستمر

2022-09-18 08:39:40

بات ملحوظاً في الآونة الأخيرة أن يوميات الحياة الفلسطينية قد تحولت إلى سلسلة مترابطة من عمليات القتل اليومي، تترتب عليها سلسلة مترابطة من الشهداء والجنازات، فجيش الاحتلال بات يخرج يومياً، بأفق مفتوح، في رحلات صيد الجياد الأصيلة لقتل ما يتيسر له من الفلسطينيين «الأغيار».
وبطبيعة الحال هناك أسباب عديدة تقف وراء هذا السلوك العدواني، وقد يكون التنافس الانتخابي الحامي الوطيس الجاري في الساحة الإسرائيلية أحد الأسباب لذلك كما نحاول طمأنة أنفسنا وبعضنا، لكن ليس هذا كل الحقيقة، خصوصاً أن سياسة القتل والبطش ضد الفلسطينيين أصبحت سلوكاً أصيلاً من سياسات الحكومات الصهيونية المتعاقبة، ولأن إسرائيل لديها اطمئنان أن ردود الفعل الدولية على عمليات القتل لن تتعدى التنديد اللفظي، وخير مثال على ذلك مقتل الإعلامية شيرين أبو عاقلة، وإخراج الاحتلال نفسه من الجريمة كالشعرة من العجين.
بعد تقرير «أمنستي» حول نظام الفصل العنصري الإسرائيلي، توسّم الفلسطينيون أو بعضهم خيراً، معتقدين أن الأمور قد تذهب إلى أبعد من الإدانة، لكن الوقائع كانت صادمة، باستمرار إسرائيل في الإفلات من العقاب، وهي تمارس سياساتها العنصرية بأريحية تامة دون أن تلتفت لما يُقال في المنابر الإعلامية والدولية من تصريحات فارغة، بسبب تحوّلها إلى مهزلة إعلامية.
على الضفة الأخرى، وهي الأهم من وجهة نظري، أن الشهداء قد توصلوا لإجاباتهم قبل أن يرحلوا، وهو ما يلقي على عاتق الأحياء من بعدهم تقديم الإجابات عن الأسئلة المطروحة. ومنها على سبيل المثال الظاهرة التي أطلق عليها الاحتلال «الذئاب المنفردة»، ورسالتها التي تنطوي على عنوان رئيس يتجسد بالمطالبة بعدم الاستسلام وتبديد الحلم الفلسطيني.
المسألة الأخرى المهمة هي ممارسة الفعل الكفاحي خارج نسق التنظيمات، وهو ما يتطلب التأمل به بعمق أكثر، لا سيما أن هذا الخيار له سلبياته مثلما له إيجابياته أيضاً كفعل هبط على أرواحنا تجلّت به أجمل معاني العزة والتفاني، ولكن في كل الأحوال تُعلمنا تجارب الشعوب أنه من الصعب إذا لم يكن من الممكن لأي مقاومة أن تراكم وتحقق نتائج مهمة على الأرض بعيداً عن التنظيم والإدارة الرشيدة للرأسمال البشري التي تزيد وتُضاعف الفِعْل والنتائج. صحيح أن هذا الخيار له سياج شعبي واسع ويشكل حامياً له، لكن يبقى السؤال حول حكمة استمرار هذه الحالة، خاصة أنهم غالباً ما يأتون من قواعد التنظيمات، ولكن لا يأتمرون بإمرتهم، وأن المجتمع امتدح جرأتهم وشجاعتهم وكذلك فعلت التنظيمات.
الخشية على هذه الظاهرة من فتْك قوات الاحتلال وأجهزته المخابراتية أمر مشروع؛ لأنهم من خيرة شباب فلسطين وفخر صناعتها الإنسانية، لكن من الصعب أن تؤثر هذه العمليات دون أن تكون لها قيادة توجهها وتربطها بالبرنامج السياسي، فالظاهرة التي تنحصر عموماً في جنين ونابلس، تؤثر في محيط جغرافي واجتماعي محدد أيضاً، بسبب كونها بلا قيادة جماعية تنخرط فيها الفصائل والقوى السياسية.
الاحتلال الذي يلتقط هذه الظواهر - حتى لو كانت محدودة الإمكانيات العسكرية - يتابع بجدية أمر تحولها إلى حالة مستمرة، ويلفتهم أنه قد زاد تعدادها حتى منتصف العام بستين عملية عسكرية، مستثنين العمليات المستخدمة بها الزجاجات الحارقة وغيرها، يتابعون إمكانية تحولها إلى انتفاضة شاملة على نسق الانتفاضات السابقة، واضعين السيناريوهات المختلفة، مثل إعادة احتلال المناطق المحتلة كما جرى في عملية السور الواقي عام 2002، أو من خلال العمليات الخاطفة المحدودة، مثل خطة «جزّ العشب»، على المقاومة في لبنان، أو «الفجر الصادق» على غزة في أيار الماضي.
بكل الأحوال النقاش يتسع ويتشعّب حول ظاهرة العمل الجديدة في أوساط الشباب، ولا توجد لدى الفصائل إجابات جاهزة لأن الانقسام أجهز على ممكنات قيام انتفاضة بمعناها الشامل، ولنا في الكتائب التي تشكلت في جنين أولاً ونابلس ثانياً درس عملي واضح، يتمثل بكيف خدمت الوحدة في الميدان ونبذ الفئوية تشكيلها وفعاليتها رغم محدودية تأثيرها. وهي غير جاهزة لأن القيادة غير جاهزة لنوع كهذا من الحوار، فهي قيادة فاقدة الإرادة تجاه تغيير المسار التفاوضي الذي اختارته، وما زالت تراهن عليه رغم وهمه، ولأن الواقع والزمن قد تجاوزاها.. ولأن العالم حولنا سادر في انحيازه لدولة الاحتلال ويصرف النظر عنها محبة بها ولأولويات أخرى تشغله.