بورقيبة والجدل المتواصل

2022-09-27 08:25:40

العام 1909 في تونس كان عامًا زاخرًا بولادة الشخصيات المفصلية بالفكر والأدب، والسياسة، ففيه ولد الشاعر الكبير الذي مات فتيًا (25 عامًا) أبوالقاسم الشابي، وكان ميلاد العلامة محمد الفاضل بن عاشور ابن العلامة الطاهر بن عاشور من أساطين الفكر والفقه والأدب وبنفس العام ولد الكاتب ورسام الكاريكاتير والأدب الفكاهي والشاعر الشهير علي الدوعاجي وصاحب كتاب سهرت الليالي، ومن جماعة تحت السور الأدبية.
في نفس العام أيضًا ولد الهادي الجويني المطرب التونسي المعروف وصاحب أغنية (لاموني الّي غاروا مني) وأغنية (تحت الياسمينة بالليل) التي يرددها اليوم عديد المطربين الجدد.

الحبيب ثامر وصالح بن يوسف والحبيب بورقيبة
في ذات التاريخ ولد الحبيب ثامر (1909-1949م) أيضًا وهو من سنسلط عليه بعض الضوء، فالحبيب ثامر يعتبر "قديس الحركة الوطنية" في تونس ومهندس المقاومة المسلحة في مناوأة لخط الحبيب بورقيبة السلمي. ود.الحبيب ثامر انخرط بالعمل الوطني السري وترأس الحزب الدستوري عام 1939م، وهو يعتبر قائد الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي البغيض، وجاب العالم للتعريف بالقضية. وحين تواجده بالبلاد أصدر جريدة (افريقيا الفتاة) كمنبرللحركة الوطنية، ونظرًا لنضالاته حكم عليه بالسجن 20 عامًا. وإثر خروجه من البلاد وهو يعرض القضية ضد الاستعمار سقطت دائرته في لاهور بالباكستان.
كان د.الحبيب ثامر بفكرِهِ مع الكفاح المسلح ضد الغازي، ومع التوجه المغاربي والتوجه العروبي وضد تهميش اللغة العربية والثقافة العربية. 
وكان المناضل صالح بن يوسف (1907-1961م) –كما أشرنا له سابقًا-يحمل نفس الفكرة النضالية الثورية، وهو الرجلُ المسيّس والمناضلُ الشرس ضد الاستعمار الفرنسي وضمن الحزب الدستوري. لقد كان الى يسار بورقيبة داخل الحزب الدستوري، وإليه فقد رفض فكرة الاستقلال على مراحل عام 1955م وخاض صراعًا شرسًا ضد فكر بورقيبة حيث قليل من العمل المسلح وكثير من الفعل السياسي، وما أن عقدت اتفاقيات الاستقلال التي أفضت لاحقًا للاستقلال عام 1965 حتى ثار صالح بن يوسف واتهم بورقيبة بالعمالة للغرب وأنه عدو للعروبة والإسلام، فتمّ الاحتكام للحزب في ذات العام ليفوز نهج الرئيس الحبيب بورقيبة وبفصل بن يوسف وجماعته من الحزب.
في الصراع السياسي الداخلي قد لا تستبين أحيانًا مداخل أو مخارج الرأي والتشدّد أو اللين الا مع كثير من البحث والتنقيب، لذا فإن التاريخ قد يكشف فيما يلحق الكثير من أسرار الخلاف الثقافي والفكري والسياسي والشخصي بين الزعيمين اللذين جرت محاولات لمصالحتهما لاحقًا ولكنها باءت بالفشل، الى أن اغتيل يوسف بن صالح في ألمانيا.
أما الحديث عن الحبيب بورقيبة (1903-2000م) فهو شخصية جدلية بامتياز والى ذلك فهو زاخر، لما تمتليء به صفحات الكتب والمقالات الكثيرة التي كتبت عنه بأي اتجاه كان احترامًا وتمجيدًا، أو رفضًا وطعنًا واتهامًا ومخالفة. 
الرئيس الراحل بورقيبة لدى محبيه الكُثُر هو المجاهد الأكبر، وهو صانع الاستقلال وهو باني نهضة البلاد، إذ حقق الاستقلال التام عام 1956م ثم الجلاء عام 1963 بعد أحداث مذبحة ساقية سيدي يوسف التي أودت بحياة 68 شهيد بيد الاستعمار الإرهابي الفرنسي.
الاستعمار الفرنسي أنه الاستعمار الذي كان يتمنّع الخروج من مدينة بنزرت التونسية الساحلية الجميلة على عادة الاستعمار، ومنه  هذا الاستعمار الفرنسي الذي في ذات الإطار ورغم احتلال النازي لفرنسا وكسرها أثناء الحرب الأوربية (المسمّاة العالمية) الثانية، سلّم فيتنام التي يحتلها بعد نهاية الحرب (العالمية) الى أمريكا! ورفض الخروج من تونس، ورفض الخروج من الجزائر وبالجزائر العظيمة لم يخرج إلا صاغرًا وبالقوة الناهضة المسلحة.
الحبيب بورقيبة استفاد من فكر الطاهر الحداد وخاصة كتابه الشهير "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، وقام بتوحيد القضاءالتونسي الذي كان موزعًا بين قضاء فرنسي وآخر لليهود وثالث مختلط وهكذا، ورغم محاولته انهاض النزعة الوطنية التونسية وتقليل مستوى العامل الديني في البلاد ودور جامع الزيتونة. الا أنه أحدث اختراقًا  بالفكر العربي والاسلامي خاصة وفكرة الجامعة العربية مقابل الجامعة الاسلامية تتجادلان فاختار هو "الأمة التونسية" ما يمكن مقارنته بأحد العوامل فيما كان من شأن حركة فتح التي رأت بالخمسينيات والستينيات من القرن العشرين أهمية استقلالية الإرادة الفلسطينية في مقابل الأيديولوجيات الكبرى المتصارعة والتي كان من نتيجة صراعها النظري أن دفعت قضية فلسطين الى الخلف أو اعتُبرت مثلها مثل القضايا الاخرى، فكانت لدى حركة التحرير الوطني الفلسطيني-فتح الأولوية لفلسطين وتحريرها كما كانت هي القضية المركزية الجامعة للعرب والأمة بمجملها وكانت هي البوصلة فيما تبنته فتح حتى اليوم.
الرئيس بورقيبة أحدث التغيير الكبير في البُنى التحتية داخل تونس-اتفت أم اختلفت معه- فهو من بدأ بالتعليم والتربية أولًا كما قد فعل (لي كوان يو) في سنغافوره فاستعان باأاديب والمفكر محمود المسعدي الذي عيّن لعشر سنوات وزيرًا للتربية ثم للثقافة ليكون أب النظام التربوي الحديث في تونس وليحقق المنعرج الحاسم كما يطلق عليه المؤرخون بالتاريخ التونسي التربوي والثقافي.
كما كان لكل من محمد مزالي والبشير بن سلامة الدور الكبير بدفع من الرئيس بورقيبة للترويج للعلمانية والوطنية مقابل العروبية فيما أسمى (الأمة التونسية)، وعليه تمت ترجمة كتاب المفكر الفرنسي (شارل أندري جوليان) حول شمال إفريقيا وما كان له من دور مركزي في الحكم والمجتمع المدني، وفي الجامعة التونسية مع جموع المفكرين والنقابيين والمناضلين العلمانيين.
أما عن الثقافة البورقيبية المعتدلة والسلمية ومن تجربته، فلربما تأهلت القيادة الفلسطينية أكثر فأكثر حين استقرارها في هذا البلد الخلّاب، وإثر مئات اللقاءات مع القيادة التونسية لتكون أكثر اتجاهًا للواقعية السياسية، رغم تبنيها مسبقًا لهذه الواقعية إثر توقيع النظام المصري لاتفاقيات كامب ديفد (1978-1979م) وما قبلها بالحقيقة، إي منذ حرب العام 1973 المجيدة وتبني خط  الاعتدال والواقعية السياسية ورديف السلاح ممثلًا بالعمل السياسي.
يكتب د.عبداللطيف الحناشي كتابه الهام: الحبيب بورقيبة والقضية الفلسطينية، ليشير الى أن الرجل كان ذو فكر عملاني-براغماتي عالي، ومشيرًا لرأيه في دول الأمة العربية والعرب عامة حيث أن "مصيبة العرب عدم الرضا بأنصاف الحلول في وقت هم غير قادرين على افتكاك كل الحق".
وأشار بوضوح لموقف الرئيس بورقيبة من الاعتراف بالكيان الإسرائيلي وبقرار التقسيم ما جعله يلقى الرفض العربي والفلسطيني بنهجه عندما ألقى خطابه في فلسطين في أريحا بخطاب فُهِم أنه صدامي استفزازي حيث أكد فيه على أن العاطفة لا تكفي، وإن قال بالمقاومة والاستشهاد للفوز إلا أنه طالب الفلسطينيين أن يقوموا بتولي قضيتهم وضرورة أن يكون هناك طرق أخرى الى جانب الكفاح المسلح.