ماذا يحدث في اليوم الحادي عشر من الإضراب؟
متعباً يفيقُ من نومه، يقفُ مستنداً إلى الحائط في طابور العدد الصباحي، وبيدٍ هزيلةٍ يرسم خَطاً منفرداً على جدار الزنزانة لليوم الحادي عشر.
ببطءٍ يسيرُ إلى الحَمّام، يخلع ملابس السجن عن جسده المرهق، ينظر إليه متأملاً، بطنه المتكوّر مثل إناءٍ فارغ، شعره الآخذ بالتساقط، ساقيه النحيلتين، وأنفاسه المتعبة.
يقفُ تحت الماء مستنداً إلى الحائط، لا يفرك جسده كي لا يبذل جهداً إضافياً، يُغمضُ عينيه، تتواردُ في رأسه أفكار عديدة وصورٌ مشوّشة.. هل سيطول الإضراب؟ هل أحتمل الأمر؟ أبهذا الجسد النحيل أعود إلى خطيبتي؟ وإذا تضرر الجسد وأصابني المرض، فماذا سأفعل، لن يكترث السجان للأمر.. سيمرّر أصابعه على وجهه ويقول: لم أعد أُشبِهني !
يعيده صوت زميله إلى واقع الزنزانة: هل أنتَ بخير؟
فإنهم يعرفون، دون أن يخبر أحدهم الآخر بالأمر، ضرورة أن يتفقّدوا الذي يستحم ليُخرجوه من فم الخوف، الخوف الذي تتركه آثار الإضراب على الجسد.
يرتدي ملابسه ذاتها، فقد صادر السجان ملابسهم، وأبقى لهم زيّ السجن الموحّد، ويعود إلى فرشته يلهثُ، فما مِن جهدٍ يبذله المضرب عن الطعام يوازي ما يلزمه من جهدٍ لتنشيف جسده بعد الاستحمام وغسل غياره الداخلي الوحيد الذي بقي معه.
ماذا يعني اليوم الحادي عشر من الإضراب؟
يعني أن يبقى الأسرى في فراشهم، يقاومون القشعريرة بالأغطية المتاحة.
يعني أن يستمر الزمن في فقدان خصائصه، ويصير أبطأ وأطول.. وتصير الساعة دهراً.
ويعني، أيضاً، عزوف النَفس عن شرب الماء، وعدم الرغبة في خوض عذابات الملح من ملامسة تقرحات الفم المتعفّن.
وماذا يعني، أيضاً؟ يعني أنهم يتلقّفون الأخبار من الخارج بلهفةِ الغريق، كل كلمة تُحكَى خارج الأسوار يتردد صداها في الزنزانة.
يعني خوضاً طويلاً في تفسير سلوك السجان وتأويلها، هل بدأ الضغط عليه؟ وأن الوعي تمرّس، بفطرة ذئب، كيف يوظّف أدواته البسيطة لخوض الإضراب، وما ينشأ عنه.
يعني، أيضاً، أنّ شمساً جائعةً ستشرقُ في سماء الزنزانة وتنشر دفئها في أوصال البلاد.