«حوادث طرق» ؟!
1 – العلامتان
«(..) ترحب بكم»؛ «رافقتكم السلامة». هكذا تدخل القرية آمناً وتغادرها بسلام. بين الدخول والخروج تجتاز، أولاً، امتحاناً في إشارات الطرق، وهي إشارات دولية .. في معظمها.
إلى كل ما سبق، فإن مُكعّبين اسمنتيّين فوق بعضهما البعض يقسمهما مثلث بنّي وأصفر، يحدّد المناطق السيادية الفلسطينية.
قبل المُكعّبين بعشرات الأمتار، هناك لوحة حمراء بالعبرية ذات حروف بيضاء تقول: «أنت تدخل مناطق السلطة الفلسطينية»، وتليها عدة تعليمات مرقّمة. على رغم ما يشبه شبكة من «الطرق الالتفافية» والتعليمات السابقة، فقد حصلت ثلاثة «حوادث طرق» خلال أيام: (الخميس 12/10، والخميس 19/10 والجمعة 20/10)، وجميعها تَسبّب بها «جهل» الجنود الإسرائيليين والمستوطنين اليهود.
2 - بين بيتونيا و«عوفر»
بيتونيا ضاحية صارت شبه مدينة، وتجعل التوأم البيرة - رام الله ثلاثياً. في ضواحي بيتونيا هناك «معسكر عوفر» الإسرائيلي، الذي أُخلي بموجب آخِر مراحل الانسحاب الجزئي الثاني.
يحفظ الفلسطينيون الطريق «عن ظهر قلب» ليس لأنه يُوصل إلى «طريق السلام» (ديريخ هشالوم) الذي يبدأ من حيفا إلى القدس، بل لأنّه الطريق إلى اللطرون.
الحاجز الإسرائيلي لم ينبّه الجنديّين يوم الخميس 12/10، والجنديان لم يريا المكعّبين الإسمنتيّين، ولم يقرآ يافطة التحذير الحمراء «أنت تدخل مناطق السلطة الفلسطينية».النتيجة: حصل الذي حصل، وصعدنا درجةً في سُلّم العنف، وتعرّضت رام الله إلى «قُبلات حارّة» من صواريخ «لاو».
3 - سفح عيبال
نابلس مثل فتاة على أُرجوحة بين جبلي عيبال وجرزيم. لا إشارات طرق، لكن الأعشى يعرف أن هذه نابلس.
اقترب «متنزّهون» من المستوطنين، حتى وصلوا أطراف مخيم عسكر. «المتنزّهون» مستوطنون مسلّحون، وهؤلاء مُغرمون بحمل سلاحهم ومُرافقة نسائهم وأولادهم. تساءل المُحلِّل العسكري الإسرائيلي رون بن يشاي: «هل كانت النزهة حماقة أو نيّة مبيّتة، أو كلاهما معاً».
النتيجة: اشتباك مسلّح أشبه بمعركة جوّية - برّية سقط فيها مواطن فلسطيني ومستوطن يهودي.. وطائرات الهيلوكوبتر عملت كما كانت تعمل في جنوب لبنان.
الدرس على سفوح عيبال، كما كتب المحرّر العسكري نفسه: «يجب فعل المستطاع من أجل عدم تكرار هذا الحدث، الذي بدايته غطرسة وحماقة، وأساسه جريمة.. ونهايته مأساة».
4 - حافلة «الجنود الأغرار»
.. ماذا كان سبب «حادث الطرق الثالث»؟
حافلة تقل 12 جندياً «ضلّت الطريق» بين بلدة عنبتا ومدينة طولكرم مجرد جنود أغرار من «لواء جولاني» الشهير، يقودهم ضابط غير غر (إلّا في قراءة المُكعّبين الاسمنتيين واليافطة الحمراء).
النتيجة: صعد رجال الشرطة الفلسطينية إلى الحافلة، وطرحوا الضابط أرضاً على بطنه ويداه على رأسه. «الجنود الأغرار» رموا بأسلحتهم من النوافذ. كانت فرصة للمزاودة على «حزب الله» وأسر جنود الحافلة، غير أن رجال الشرطة، الحريصين على عدم تكرار «حادث رام الله»، تصرّفوا كجنود إزاء جنود أسرى.. وسائق الحافلة أصرّ على الفرار، فلاحقته حجارة الناس، التي جرحت خمسة «جنود أغرار».
أحد عناوين «يديعوت أحرونوت»: «حرج في الجيش: الفلسطينيون يعتقلون 12 جندياً مسلحاً».
احد عناوين «معاريف»: «الجنود يُصابون بالذعر من الفلسطينيين ويُسلّمون سلاحهم».
فقرة من خبر «معاريف»: «أمر الفلسطينيون الضابط بالعودة إلى الباص. وأبلغ الفلسطينيون الجنود بمصادرة أسلحتهم. استجاب ستّة منهم وسَلّموا أسلحتهم، في حين رفض الآخرون. عندما نزل الفلسطينيون من الباص للتشاور، استغل السائق الفرصة ولاذ بالفرار».
كلّ «جنديٍّ غرّ» يبدأ حياة الجنديّة بدرسين: استخدام السلاح، والطبوغرافيا. وكلّ جنديٍّ غرّ يعرف أنّ محاولة الفرار، تبيح للطرف الآخر إطلاق النار.
5 - «الحاجز الاستفزازي»
تتقاطع «الطرق الالتفافية» اليهودية مع الطرق العادية، كما الأوردة الدموية والشرايين في جسم الانسان.
ثمة تقاطع حسّاس، أسماه زميلي غسان زقطان الحاجز الاستفزازي على مفرق قرية سردا – «بيت إيل». مع اندلاع الانتفاضة اختفى «الحاجز الاستفزازي» بما يؤكّد صفته الاستفزازية، وانتفت الحاجة إلى الطريق الالتفافي من سلسلة مستوطنات («تلمون» 4،3،2،1) عَبر عين قينيا حتى سردا .. ثم «بيت إيل».
طريق وعر وجميل، ترى فيه طيوراً نادرة، وحتى بعض الغزلان. طريق يصلح للمتنزّهين فعلاً. لا أحد يتنزّه الآن ولا أحد يُغامر بالسفر على ذلك «الالتفافي».
طوبى لطيور «الدُّرَّاج»، و»الشنَّار»؛ الغزلان و»القطاة»، التي تَسرَح وتَمرَح في مَرابِعها.. بعيداً عن «حوادث الطرق» وقنص الصيّادين.