تنقيـط
1 - «هورا»، الله أكبر
في مارش الجيش، هناك النسق على شكل أرتال، وهناك الإيقاع الذي ينسّق خطوات الجند (وحفيف ملابسهم الثقيلة) مع صوت الموسيقى.
في مارش الشعب هناك حشد مثل فوضى الماء، الذي يصبّ في نهر يعلو على ضفافه. يسير الحشد مدفوعاً بحركة لولبية، كأنها دوّامات الماء.. وبدل إيقاع خطوات الجند المنتظمة، يكون الهُتاف من الحناجر، ليصير الإيقاع غناء «الكورال».
صيحة الجنود في الهجوم «هورا»، وصيحة الناس «الله أكبر». الحناجر مفتوحة للصوت العميق، الذي يُجبر الرئة على إيقاع سريع للزفير والشهيق، فتجديد الأكسجين في الدماء والعروق.. بما يجعل الأعصاب مشدودة، والعضلات في أقصى طاقتها على التوتر. جاهزة تماماً لحركتَي الكرّ والفرّ.
.. وفي جنازات شهداء الانتفاضة يختلط مارش الجنود مع مارش الشعب، والأعلام الوطنية تختلط برايات الفصائل والأحزاب. ترى العين لون الغضب كما لو كان شمساً في سماء سوداء، وأما العين فلها أن ترى بحراً متلاطماً من الألوان.
.. فماذا يرى «الغريب» الذي يرصد، بعدسته، مزيجاً من مارش الشعب في التظاهرة والاشتباك، ومزيجاً من مارش الجنود والمدنيين في تشييع الضحايا؟
قد تختلط عليه غرائز العنف مع سيكولوجيا العنف، فينسى ما قاله فيلسوف العنف فرانز فانون:
«دماء الشعب هي دُموعه وعَرقه، وعندما يمتلئ خزّان القهر، ينفجر الغضب، ويسفح الشعب دمه ودم أعدائه. آنذاك، لا تستطيع أن تمسك الميزان بيد ثابتة، ثم نقول: ما الوزن المناسب من العنف العادل في كفّة العنف غير العادل».
فيضان النهر قلّما يتمرّد على ضفّتيه، وأما فيضان الوادي فإنه يفتّش عن ضفافٍ جديدة.
2 - الاحتلال والانتحال
تتشابه صيحة «هورا» وصيحة «الله أكبر»، لكن، مدى الصيحتين لا يتساوى.
تتشابه نغمة الأسماء في العربية والعبريّة، لكن كما يتشابه فعل الاحتلال مع فعل الانتحال.
نلفظها «أريحا»، ويلفظونها «يريحو». نلفظها يافا، ويلفظونها «يافو». نلفظها «بيتين»، ويلفظونها «بيت إيل». نلفظها «الناصرة»، ويلفظونها «نتسيرت».. حتى أصغر القرى والدساكر.
هاكُم أحدث الأمثلة عن دور الانتحال في فعل الاحتلال: عدّة رصاصاتٍ أُطلِقت من بيت جالا باتجاه «جيلو». هرع رئيس بلدية القدس أيهود أولمرت قائلاً: إذا تحطّم الهدوء في «جيلو»، وإذا حصل إجلاء للمستوطنين في أطرافها، لن تبقى بيت جالا هادئة وستدفع ثمناً مقابلاً بإجلاء بيوتٍ وأحياء.
من الذي يجب أن يرحل؟ المستوطنة التي تحتل الأرض وتنتحل اسم المكان، أم المدينة والقرية الفلسطينية التي تكاد المستوطنات تمسك بمفاصلها، وتعد عليها أنفاسها.
بدأ احتلال البلاد الفلسطينية بانتحال التاريخ، والأساطير، إلى انتحال أجمل أسماء المكان الفلسطيني.
تقول مستوطِنة من «جيلو» وهي تنظر من فوق إلى تحت: «من هنا تبدو بيت لحم جميلة»، كما قد يقول مستوطِن في «بسغوت» (التلة المرتفعة) التي تحتل قلب البيرة.
المواطن الذي ينظر من تحت إلى فوق يرى المستوطنات أشبه بالقلاع، أو أشبه بأرتال الجنود الذين يرتدون خُوَذاً قرميديّة. لا يبدو المشهد جميلاً في نظرة المواطن إلى المستوطنة.. التي تسدّ عليه الأفق الجميل بانتحالٍ قبيح: للمشهد، ولاسم المكان.
3 - مفردات جديدة
«نحتل» لغتهم بمفرداتنا: «الانتفاضة» أولاً، ثم «النكبة».. وحتى بعض تعابيرنا المركّبة مثل «انتفاضة الأقصى».
في الانتفاضة الجديدة، أخذوا يُردّدون اسم «التنظيم» مع شيءٍ من الرَّطانة في اللفظ.
تهُون الرَّطانة في اللفظ أمام الرَّطانة في التحليل الأمني والسياسي. الذين لم يفهموا من «فتح» إلّا رَطانة نطق اسمها، يُواصلون الثرثرة المخلوطة بالأماني.
أولاً: البديل عن منظمة التحرير.
ثانياً: البديل عن الاستقلال الفلسطيني.
ثالثاً: البديل عن عرفات.
رابعاً: البديل عن «فتح».
ثم يعُودون، خاوي الوفاض، من كل البدائل. ليخترعوا «الانفصال» الديموغرافي عن السكان بديلاً عن الانسحاب الجغرافي الاستيطاني.
«التنظيم» يتحدث اللغة العربية، واللهجة الكفاحية «الفتحاوية».. إذا تطلّب الأمر، يتحدّث نشطاء «التنظيم» إلى الصحف الإسرائيلية بلغةٍ عبرية فصيحة: «ارحلوا من هنا. إنكم تسدُّون علينا الأفق، وتُحصُون علينا أنفاسنا».