المجتمع الإسرائيلي: من اليمين المتطرف إلى الفاشية

2022-11-04 21:26:11

كتبتُ هنا عن الانتخابات الإسرائيلية السابقة بأن علينا ألا ننتظر نتائجها لأن التنافس فيها هو بين أحزاب اليمين المتطرف، وأن مصطلحات مثل اليمين، ويمين الوسط واليسار لها ارتباط بموقف الأحزاب المتنافسة من مسائل اجتماعية واقتصادية تخصها، لكن عندما تتعلق المسألة بالقضية الفلسطينية فجميعها أحزاب يمينية متطرفة، وهو ما يعكس حقيقة توجهات المجتمع الإسرائيلي واتساع الدور السياسي للمستوطنين في الحكم.

لكن نتائج الانتخابات الحالية تظهر أن المجتمع الإسرائيلي لم يعد متطرفاً وعنصرياً فقط، بل فاشي أيضاً. 

أحزاب العمل وميرتس لا تمثل اتجاهاً في إسرائيل. الأول حصل على أربعة مقاعد والثاني لم يتجاوز نسبة الحسم بحسب النتائج المعلنة.

والأحزاب العربية الفلسطينية أبت إلا أن تكون جزءاً من مشهد الانقسام الفلسطيني العام: حزبان حصلا على خمسة مقاعد، وواحد لم يتجاوز نسبة الحسم، وحزب منصور عباس الذي حصل على خمسة مقاعد لا تهمه القضية الفلسطينية وهو «يبيع نفسه» لمن يعطيه أموالاً أكثر.
إسرائيل إذاً لا يوجد فيها وسط أو يسار، ولكن يمين متطرف، عنصري، يتحول شيئاً فشيئاً الى الفاشية.

يُعرف علماء الاجتماع الفاشية بأنها حركة سياسية جماهيرية تؤكد على النزعة القومية المتطرفة والعسكرة وتفوق كل من الأمة والقائد الوحيد القوي على المواطن الفرد، وهي تدعو الى اضطهاد الأعداء السياسيين وتعزيز القيم المحافظة التي تخدمها وهي تتماشى غالباً مع أصحاب المصالح التجارية القوية.

هذا التعريف السوسيولوجي للفاشية ينطبق في الكثير من ملامحه على الاتجاه الفائز في الانتخابات الإسرائيلية، والذي يمثله حزب الليكود والصهيونية المتدينة ويهدوت هتوراه وشاس.

وهو يتشارك في بعضها مع اليمين المتطرف الذي خسر في الانتخابات والذي يمثله معسكر يوجد مستقبل (لابيد)، والمعسكر الرسمي (غانتس) وإسرائيل بيتنا (ليبرمان). 

كلا المعسكرين مثلاً يناصر يهودية الدولة ويرفض قيام دولة فلسطينية (في تماثل مع النزعة القومية المتطرفة)، وكلاهما مع عسكرة الدولة (وهذه أصلا سمة للحركة الصهيونية قبل قيام اسرائيل).
لكن المعسكر الفائز فيه سمات أكثر تتطابق مع الفاشية. 

هنالك تعظيم لنتنياهو في حزب الليكود رغم أن الرجل ثبتت عليه تُهم الفساد، وكأن أكثر من ربع الإسرائيليين (حزب الليكود حصل على أكثر من ٣٠ مقعداً من أصل ١٢٠ مقعداً) لا يرى قائداً جديراً بالثقة غيره. والليكود يمثل أصحاب رؤوس الأموال في إسرائيل (التماهي مع أصحاب المصالح التجارية).  

أما تكتل الصهيونية المتدينة فهو يدعو صراحة الى قتل الفلسطينيين ومصادرة ارضهم وترحيلهم والى أخذ أماكنهم المقدسة، والى إطلاق يد الجيش الإسرائيلي للقيام بكل ذلك. 
إذا أضفنا لكل ذلك أن القاعدة الاجتماعية لأحزاب الصهيونية الدينية ويهدوت هتوراه وشاس هي من المتدينين اليهود، بمعنى الاتجاه الأكثر محافظة وتطرفا فإن القول بأن المجتمع الإسرائيلي يتجه للفاشية هو حقيقة. 

لاحظوا مثلاً أن الصهيونية الدينية قد رفعت من عدد مقاعدها من ٦ الى ١٤، وشاس من ٩ الى ١٢، ويهدوت هتوراه من ٧ الى ٨، والليكود من ٣٠ الى  32، في حين أن ميرتس الذي كان له ٦ مقاعد قد اختفى تماماً في هذه الانتخابات بينما العمل كان له ٧ مقاعد وأصبحت له الآن 4 مقاعد.

هذه الأرقام تكشف حقيقة توجهات الشارع الإسرائيلي الفاشية. بالنظر الى الوراء يمكن القول بأن صعود الفاشية في إسرائيل بدأ منذ اتفاق أوسلو. 

بداية تم اغتيال إسحاق رابين، ومن ثم تم تدمير حزبي العمل والليكود وإنهاء معسكر اليسار الصهيوني مترافقاً مع صعود شارون الذي قتل أكثر من أربعة آلاف فلسطيني خلال الانتفاضة الثانية وبنى جدار الفصل العنصري، وبعدها تم إعادة تشكيل الليكود بزعامة نتنياهو وصعود الصهيونية الدينية. 

إيهود اولمرت كان شيئاً عابراً لا قيمة له في السياسة الإسرائيلية. لم يأخذه المجتمع الإسرائيلي على محمل الجد بسبب هزيمته في حربه على لبنان وليس بسبب فساده فقط.
توجهات المجتمع الإسرائيلي الفاشية ستنعكس على الشعب الفلسطيني مباشرة. بن غفير من زعماء الصهيونية الدينية أعلن بأنه سيطالب بحقيبة وزير الأمن الداخلي وهو ما يعني التوجه نحو المزيد من الإيغال في دماء الفلسطينيين ومصادرة أراضيهم والتضييق عليهم حتى في لقمة عيشهم.

نتنياهو سيعمل على ضم الأغوار الفلسطينية لإسرائيل (ما نسبته ٣٠ في المائة من مساحة الضفة) وسيجد من يدعمه في واشنطن العام ٢٠٢٤ إذا نجح الجمهوريون في الانتخابات الرئاسية.
المرحلة بلا شك خطيرة، وتتطلب من الفلسطينيين الوحدة والثبات والتمسك بأرضهم وحقوقهم، والأهم من ذلك دفن أوهام أوسلو وتعزيز روح المقاومة لأنها الطريق الأقصر لحسم الصراع مع إسرائيل.