"بيتهوفن" يحيا مرة أخرى في بون

2022-11-06 23:06:03

تبحث في سطور أفكارك دوماً عن أمرٌ مختلف، وهنا ربما تتعرّف على واحد من أسرار البقاء والخلود، في المدينة التي تفوح برائحة الثقافة والفنون العالمية.. ففي شوارعها، لا تغيب عنك الألحان ولا حتى الألوان، مدينة "بون" قبلة الموسيقى في العالم، ومسقط رأس الموسيقار الشهير "لودفيج بيتهوفن" حيث ولد في أحد بيوتها عام 1770، ولا يزال هذا المكان يستقبل أكثر من 100 ألف زائر من حول العالم في كل عام.

في أروقته ومحيطه، تتلمس شيئاً محسوس جعل من "بيتهوفن" إنساناً يحظى بشهرة عالمية، تسرح بخيالك في المدينة التي تمسك بضفاف الراين، وتحاول ربط شواهدها وتاريخها برنين نغمات الموسيقى التي لمعت في أذن هذا الموسيقار وإصراره على مواصلة المسيرة رغم إصابته بالصمم، أو ربما تبحث عن أشخاص آمنوا بأهمية سرد روايته وحياته بأفضل ما عندهم.

يتوسط البيت الذي أصبح متحفاً، باب أخضر كبير، يتألف من ثلاثة طوابق، وفي أول خطوة تبدأ رحلة التعرف على انتاجه الفني تارة وعن المكان وكيف كان له حظ النجاة من الدمار خلال قصف الحرب العالمية الثانية تارة أخرى.

تتزاحم الخطى لرؤية أدواته الموسيقية (البيانو والكمان..، ومقتنياته ومكتبه ومخطوطاته، تقف حائراً كيف تؤدي التحية لـ 12 شخصاً اجتمعوا على إنشاء جمعية قبل 123 عاماً، وقرروا من خلالها حماية تراثه، كان من ضمنهم حفيده الصحفي هيرمان نويسر.

ورغم أن السنوات التي سبقت إنشاء الجمعية، شهدت محاولات عديدة من أصدقاء بتهوفن لإنقاذ تراثه، لاسيما الموسيقار النمساوي الشهير إدوارد لبون الذي هاجم المسؤولين في المدينة، لأنهم تركوا مكان ولادته مترهلاً.. إلّا أنها لم تجد آذاناً صاغية.

تتنقل من حجرة إلى أخرى، تتأمل تفاصيل المكان الذي منه ولدت الموسيقى الكلاسيكية في العالم، تشعر أن حياة أخرى تلازمك، يتملكك شعور بإعادة ترتيب ذاكرتك، لكن ما يقلقك وأنت تستقي معلوماتك أنه في السنة التي أنشئت فيها الجمعية عام 1889، لم يكن البيت ملك لعائلة بيتهوفن، فكان لها الفضل في إعادة شرائه بـ 57 ألف مارك، ليس هذا فحسب؛ فقد استطاعت شراء وجمع مخطوطاته وصوره ولوحاته وتماثيله التي تناثرت في أنحاء العالم، وأصبحت الآن أهم مقتنيات المتحف.

ومن هنا، أرى أن الحياة عادت مرة أخرى لبيتهوفن، واستطاعت الجمعية أن تحافظ على فنونه وتحتضن بون من جديد مسيرة حياته، رغم أنه عاش طويلاً في "فيينا"، لكنه أرتمى في أحضانها عندما قذفته الحياة إلى مسيرة طويلة مليئة بالشقاء والعالمية، ذاك التناقض الذي من رحمه تولد المعجزات.

أروقة المتحف، تحوي الآلات التي استخدمها "بيتهوفن" في إنتاج سيمفونياته التسعة، لكل منها حكاية في تصنيعها واستخدامها وحمايتها من الضياع.. وانت تقف هنا، تستطيع سماع ألحانه في كل زاوية؛ كأنه بقي يفرح السامعين، ترى كل ذلك في تعابير الزائرين للمتحف، وثمّة شيء يتبادر إلى ذهنك في كل حين، أن المجتمع هو من يعيد أمجاد أبنائه.