أنواع من الحب

2023-02-16 13:40:42

لا أصدق أن الحزن الطافح في بلدين والممتد لبلاد كثيرة يعيش فيها اهل الضحايا وأقاربهم وأصدقائهم لم يكن كافياً ليتعقّل أولئك الذين حملوا الورود الحمراء للأحبة واحتفلوا بما يعرف بيوم الحب، دون أن يشعروا بالقليل من المشاركة او يصبح لديهم وخزات مؤلمة من وخزات الضمير، لا يمكن ان تقول ان يوم الحب للحب فقط، ويجب ان نحتفل به مهما كانت الظروف، والحب الذي احتفل به العشاق والأحبة حول العالم هو الحب القاصر والضيق الذي ربما لم يعرفه الكثيرون ولم يخبره أشخاص قد رحلوا عن الحياة، وقد رسموا في مخيلتهم صورة لشريك او حبيب ورحلوا وغادروا ولم يصادفوا صاحب الصورة.

 في يوم الحب أنت تكتشف ان الحب له أنواع فعلاً وأنك حين تحب فأنت تحب أشياء وتحتفل بها طيلة العام، هكذا تغدق مشاعرك وتسكب عواطفك نحو أشياء قد يراها البعض تافهة او حقيرة او لا تستحق، لكنك انت تفعل ذلك وتقول بملء صوتك وانت تملأ رئتيك بالهواء: أنا أحب الانسانية، لذلك انا حزين لدرجة الاسراف ولدرجة الثمالة، فالصور المؤلمة تقض مضجعي، أنا الذي يعشق الانسان الجميل الهادئ المتواضع البسيط المثابر النائم الحالم بيوم اجمل والذي لا يستيقظ، فقط ينتهي كل شيء حين يسقط السقف فوق سريره ويجدونه مغمض العينين إلى الأبد.

أنت حزين لأجل الإنسانية التي فقدت الحياة هناك، ولأجل العالقين وأنت تحب هذه الكائنات التي تخرج من بين ثنايا الموت وتلتفت حولها وتتأمل الحياة بعد ان غابت عنها في ظلمة الضياع بين الأنقاض لأيام وأيام، ثم تبكي أمام مرأى الجثث، فهناك العجز الإنساني أيضاً لكنه عجز نبيل لأنهم لم يستطيعوا ان  يلحقوا الأنفاس الأخيرة وفاضت الأرواح وذابت اصوات النجدة.

 الحب الذي تحبه انت يختلف عن كل ما يعرفونه، فهناك انواع من الحب هم لا يعرفونها ويكتفون بأن يحملوا الورد والهدايا الملغومة للحبيبات والأحبة ولا يعرفون معنى ان تقع في حب عينَي طفلة بريئتين، ولا أن تقع في حب ابتسامة رضيع قد خرج لتوه من بين فكَّي الموت ويتلفت حوله ويبتسم.

الحب الذي لا يعرفونه ولم يخصص له يوم او وقت للاحتفال هو حبك لكلمات الناجين في الخيام، تخيّل أنك بينهم وهم يتحدثون عن لحظات الموت والحياة، والأمل واليأس، وعن تلك الأيدي التي حملتهم، حقاً سوف تقع لتوك في حب تلك الأيدي، انها أيدٍ قد جاءت من بعيد ولا أقارب لها، لكن حبها للإنسانية هو الذي جاء بها وجعلها تتجشم المشاق وتتحمل مشقة الانتقال في البرد القارس والاجواء العاصفة، فكيف لا تقع في حب أيدٍ طاهرة ممدودة حتى وهي تحمل معولاً ومصرة على ان هناك حياة ما زالت تنبض بين الركام.

 الحب الذي تعرفه انت يختلف بالقطع ويجعلك تحاول ان تبحث عن معانٍ له وتسأل نفسك: ماذا لو ان الزمن قد انتقل بك إلى مئات الأعوام القادمة؟ هل هناك وسائل للنجاة من الزلازل؟ انت الآن مولع بقصص الخيال العلمي وأفلامه وتتخيل انه وقت حدوث زلزال هناك فقاعة سوف تحيط بكل شخص لكي تحميه ويصبح خفيفاً مثل الهلام وسوف ينجو، ربما ينفذ من نافذة او شرفة او سطح ولا يصيبه شيء، تخيل كم انت إنسان حتى تحلم بأن ذلك سوف يحدث، انت تحب الإنسانية وانت حزين وانت صفر اليدين فقير الباع لكنك لا تتوقف ان تحب، فأنواع الحب التي تحبها وتعرفها وتعيشها تختلف عن باقات الورد الصناعية والتي سوف يعلوها الغبار، او سوف تذبل لو كانت طبيعية/ لكن الحب الذي انت تعرفه لا يذبل ما دامت هناك حياة، وما دام الإنسان يحارب القوى المجهولة ويصر على أن ينتصر وسوف ينتصر بحبه للإنساني.