قمة العقبة و اللحظة الناضجة

2023-03-04 20:03:31

استضافت مدينة العقبة الأردنية يوم الأحد الموافق  26 شباط/ فبراير 2023 لقاءً خماسياً جمع مسؤولين كبار من كل من فلسطين والأردن ومصر و"إسرائيل" والولايات المتحدة. وأكّد المشاركون التزام الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بجميع الاتفاقات السابقة بينهما والعمل على تحقيق السلام العادل والدائم، وأكدوا أهمية الحفاظ على الوضع التاريخي القائم في الأماكن المقدسة في القدس قولاً وعملاً دون تغيير، وجرى الاتفاق على دعم خطوات بناء الثقة وتعزيز الثقة المتبادلة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي من أجل معالجة القضايا العالقة من خلال الحوار المباشر؟ واتفقت الأطراف الخمسة على الاجتماع مجدداً في مدينة شرم الشيخ المصرية في شهر آذار الجاري لتحقيق الأهداف المذكورة أعلاه.

تجدر الإشارة بأن لقاء العقبة، هو الأول من نوعه منذ سنوات، وبحسب أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حسين الشيخ فإن: " إسرائيل قبل هذه القمة كانت ترفض أي لقاء سياسي، وأي حضور لأطراف إقليمية ودولية أخرى"، فهل يعني هذا بالضرورة أن قمة العقبة قد تفتح أفقاً سياسياً، و أن تشكّل اللحظة الناضجة لمفاوضات فلسطينية- إسرائيلية قادمة ؟.

بحسب أستاذ العلاقات الدولية ايرا زارتمان، فإن اللحظات الناضجة فعلاً هي تتجلّى عادة عندما تصل الأطراف المتنازعة غالباً إلى ما يسمّيه "مأزق الضرر المتبادل"، والذي يعتمد على تحليل التكلفة والعائد، ولا يتم تعريفه فقط بالتكلفة الاقتصادية ولكن أيضاً بخسارة حياة الإنسان. بمعنى أن الخسائر المؤلمة بما فيه الكفاية لكلا الجانبين هي التي تجعل اللحظة الناضجة ممكنة؛ هذه اللحظة التي يصبح بالإمكان الاستفادة منها لتحقيق مفاوضات ناجحة وتأثير مشاركة طرف ثالث في حل النزاع.

وبغض النظر عن مفهوم "الألم والتكلفة" ، فإن هناك عدة عوامل أخرى، والتي قد توجد ضغوطاً للقناعة بهذه اللحظة، حيث أن زيادة  مستوى التهديد الذي  يشعر به الخصوم من النظام الدولي من المرجح أيضاً أن يزيد من احتمالات بدء الوساطة.

وإذا ما أخذنا العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في العام 2014 مثالاً، حيث بعد مجزرة فظيعة ارتكبتها قوات الاحتلال راح ضحيتها أكثر من 2300 شهيداً، في مقابل إطلاق الفصائل الفلسطينية صواريخ على مواقع إسرائيلية مختلفة، وتمكّنها من أسر جندي إسرائيلي،  تلقّت الحكومة الإسرائيلية  إدانات واسعة من المجتمع الدولي ولا سيما الأمم المتحدة، وذلك بالنظر لارتفاع نسبة الشهداء من المدنيين، وقصف مدارس تابعة للأونروا، وتوبعت الإدانات بمحادثات ووساطات دولية مكثفة للضغط على "إسرائيل" للتفاوض من أجل إنهاء القتال، حتى تم التوافق على هدنة، برعاية مصرية، بعد 51 يوماً من العدوان المتواصل، تضمنت بنودها استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية غير المباشرة في غضون شهر واحد من بدء سريان وقف إطلاق النار.

وبالمقاربة مع الوضع الحالي، فقد وصل عدد الشهداء الذين استشهدوا برصاص جيش الاحتلال والمستوطنين منذ بداية العام الحالي 2023 وحتى تاريخ كتابة هذه الورقة، إلى 67 شهيداً. وفي المقابل قُتل 15 جندياً ومستوطناً إسرائيلياً في عمليات فلسطينية مختلفة وقعت في جميع المناطق الفلسطينية منذ مطلع العام الجاري.

ويمكن القول أن مجزرة نابلس التي قامت بها قوات الاحتلال في 22 شباط فبراير 2023، جاءت كشاهد حقيقي أمام المجتمع الدولي، على أن "إسرائيل" كالعادة لم تستطع الالتزام بأي من الاتفاقيات، سواء كانت شفوية أو مكتوبة، ولا حتى تلك التي تشرف عليها الولايات المتحدة الأمريكية.

ويقودنا ما سبق عرضه إلى افتراض استنتاجي مفاده أن لقاء العقبة الذي جرى بعد أربعة أيام فقط من مجرزة نابلس، جاء ترجمةً لقناعة الوسطاء، بأن الجماهير الفلسطينية ستتحد لمواجهة التصعيد الإسرائيلي والتلاحم الشعبي سيزداد، ما أجبر "إسرائيل" على الذهاب للعقبة، كون الأجواء المحتقنة أصلاً، قد تتفاقم إلى فعاليات ومواجهات أكبر، وصولاً إلى انفجار حقيقي في كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ولعلّ العملية الفدائية التي وقعت في بلدة حوارة جنوب نابلس في نفس يوم اللقاء، وما تبعها من اعتداءات المستوطنين على البلدة، قد رسّخت مفهوم اللحظة الناضجة لدى جميع الأطراف، خاصة وأن الاعتداءات الإرهابية على سكان بلدة حوارة والقرى المجاورة، جاءت لتزيد من أزمة "إسرائيل" الداخلية، حيث وصف زعيم المعارضة الإسرائيلي يائير لابيد، ما جرى بحوارة  بـ "الإرهاب اليهودي"، كما ازدادت رقعة الإدانات الدولية أكثر وأكثر لإسرائيل، خاصة بعد تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش التي دعا فيها إلى "محو" بلدة حوارة جنوب نابلس، والتي تزامنت مع تمرير الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى قانون إعدام الأسرى. هذا فضلاً عن  تعزّز روح المقاومة والنضال في الثقافة الفلسطينية، حيث وإن كانت المقاومة متفرقة هنا وهناك ولكنها لا تختفي أبداً.

إن استمرار الانقسام الفلسطيني، والمهاترات الإعلامية والاتهامات والتخوين والإنجرار إلى روايات مزيفة، حول مشاركة الوفد الفلسطيني في اللقاء هي أكبر هدية تُقدّم للاحتلال، حيث أن ثوابت القيادة الفلسطينية هي هي لم تتغير، وإن كان هناك أي نقد فيجب أن يوجّه نحو الأداء والسلوك التفاوضي، والتركيز على العوامل التي يمكن أن تقوّي وتدعم الموقف الفلسطيني في أي مسار سياسي قد يولد مستقبلاً، خاصة في ظل الحديث عن قمة قادمة في مدينة شرم الشيخ المصرية في مارس/ آذار الجاري.

وفي الختام، نقول أنه وبالرغم من اليقين وما أثبتته التجارب السابقة بعدم إلتزام إسرائيل" بأي من الاتفاقيات على اختلاف أشكالها، إلا أن الوفد الفلسطيني الذي سيشارك في المحادثات القادمة يملك عناصر قوة حالياً، تؤهله لأن يكون ندّاً بكل ما تعنيه الكلمة، وتعزز من مساعيه باتجاه تحقيق مطالب إنسانية بالدرجة الأولى أهمها (تحرير الشهداء المحتجزة جثامينهم، وإلغاء القوانين والأحكام القانونية العنصرية الإسرائيلية) كشرط أساسي قبيل الدخول في أي محادثات ممكنة في المستقبل حول القضايا المركزية. حيث يجب أن يضع الوفد نصب عينه تحقيق الشرط الإنساني، تكريماً للتضحيات المهولة التي يقدمها أبناء شعبه، وصولاً إلى  الحقوق الفلسطينية غير قابلة للتصرّف.