دفاتر الأيام .. لا شيء من الخوف

2023-04-06 14:18:47

وقفت مع نفسي كثيراً، وتساءلت كيف يمكن أن يكون الإنسان سجيناً لإنسان، كيف يمكن أن يكون الإنسان سجيناً لوهم، أو لمعتقد او فكرة، أو أي شيء آخر، ونحن نتصور أن السجن هو ان توضع داخل غرفة مغلقة بالقضبان وتمنع عن تنسم الهواء في الخارج ولا ترى الدنيا إلا من خلال هذه القضبان، وها نحن نرى الأسرى في سجون الاحتلال ونقول لأنفسنا إنهم أسرى القوة لأن العدو قد استخدم القوة البغيضة في اصطيادهم وهم غير ذلك أبطال ولكن الكثرة غلبت الشجاعة وفي كل مرة يقتنصون أسيراً ويودعونه السجن.

لكن كيف يمكن ان تصبح سجيناً لإنسان وكلاكما في الخارج وليس بين الجدران الأربعة والقضبان الغليظة، تخيل أنك كذلك ولا تستطيع الفكاك من شيء اسمه الخوف، ربما كنت طفلة صغيرة وتلميذة بضفيرتين، بالأحرى حين كنت أخاف من تلك المرأة التي كنت أراها ناعمة وقوية، وفجأة تحول خوفي منها إلى عقدة وعشت في دور التلميذة حتى وانا أتقدم في العمر وأُصبح أماً ويكبر أولادي وأُصبح في الخمسين من عمري، وتصبح هي طاعنة في السن، ولكني أعلن دائماً أنني أخاف منها.

 لا ادري أي خوف الذي سجنني كل هذا العمر، هل لأني كنت تلميذة نجيبة ومطيعة وذكية ومتفوقة وأحرص على ان أبدو كذلك، وقد ملؤوا رأسي بضرورة وجوب احترام المعلمة ولذلك كنت احترمها ثم أصبحت أخافها، عندما يرعد صوتها من بعيد فانا ارتعد فعلاً ولا ادري كيف أتصرف او في أي اتجاه أتحرك، فأقف في منتصف باحة المدرسة بلا حراك وقلبي يتقافز وسط ضلوعي الصغيرة، ويكاد يسقط تحت قدمي، او كأنه يفعل حتى ألتقط أنفاسي وأكتشف أنها لا تكيل الشتائم لي، فأنا تلميذة مطيعة ومؤدبة ومرتبة، ولا أنسى أن أضع الشارة البيضاء فوق رأسي وأقلم أظافري وأحمل في جيبي مناديل ورقية علاوة على منديل قماشي نظيف أطويه بعناية في جيبي.

وكأن القدر يُلزمني ان استمر في خوفي لأنها اصبحت أُم زوجي، كانت تقرصني من وجنتي المحمرة المكتنزة وتداعب "الغمازة" في خدي بقسوة، وتقول لي وانا اذوب خجلاً "رح تكوني مرت ابني"، ولم أكن اعرف انها امرأة قوية وسوف تفعل، وان كل ما تقوله يحدث، وربما كان ذلك سبباً من أسباب خوفي الذي استمر منها.

 حاولت ان اكون زوجة مطيعة، وحاولت ان اكون زوجة ابن مطيعة، لكن الخوف لم يتوقف وكنت أشعر بها تراقبني في كل لحظة وفي كل حركة، ولم أستطع ان أعيش على سجيتي في البيت وان أتحرر من قيود التعامل مع الغرباء، وان أعتبرها أماً ثانية مثلاً او أي مسمى آخر، فقد كنت أراها كما كانت وهو انها ناظرة المدرسة او أبلة الناظرة.

 يمكن ان تصبح سجيناً لإنسان يحولك يوما بعد يوم لإنسان يشبه العصفور الذي يربطه طفل صغير بخيط طويل ويعتقد انه حر، لكنه حين يحاول ان يعلو ويرتفع ليحلّق بجناحيه يجذبه الطفل بكل قسوة فيسقطه ارضاً، لذلك لم أستطع ان اكون إنسانة حرة أو زوجة حرة لها شخصيتها واستقلاليتها، ولم استطع ان أبني حياتي كما أحلم، فكلما اعتقدت أنني استطيع الفكاك منها كنت أتذكر أوامرها في الفصل وفي الطابور وفي المكتبة، وحتى حول الصنابير المهشمة في ذلك الركن القصي من الباحة الواسعة.

اليوم أشعر أنني تحررت من الخوف، لا ليس بالموت شماتة، لكني اليوم اشعر أنني أتنفس بحرية وكأني قد وضعت نفسي في سجن وأنني قد خرجت منه وكان الثمن عمري، لكني لم استطع الفكاك ولم أستطع الهرب، ويبدو أن ما يتعلمه الإنسان ويزرع في داخله وهو صغير يؤثر عليه حتى يكبر، وقد تأثرت بها حتى اللحظات الأخيرة، حتى وهي تلفظ أنفاسها لم أكن أستطيع ان أقوم بأي حركة دون أن أنظر نحوها لأرى ردة فعلها من حركات قسمات وجهها، حتى وهي تكبر وتترهل وتتغضن لم أستطع أن أفلت.

 اليوم فقط أتحرر وأتنفس وأتنسم حرية الخلاص من سجن إنسان، حتى لو كان ما تبقى لي من عمر ليس أطول مما مضى، لكني أقف وأشعر بنفسي، أشعر بأنني حرة وهذا يكفي، أشعر بشعور لا يوصف، لكن ليس بداخله الخوف بالتأكيد، لا شيء من الخوف.