في مديح سلمى الخضراء الجيوسي
جاء صوت سلمى الخضراء عبر الهاتف قويّاً وواضحاً، كنت قد نشرت في زاوية "دفاتر الأيام" مقالاً قصيراً بعنوان "في مديح سلمى الخضراء الجيوسي"، وبدا لي أنها أحبت المقال، ولكنها تحدثت بشأن آخر تماماً، كانت تتحدث من الولايات المتحدة، إذا لم تخنّي الذاكرة.
في صوت سلمى الخضراء نبرة محببة وآمرة، ثقة عميقة تتدفق في النبرة وثمة استرخاء في طبقة ما، تداخل بين الرعاية والوصايا:
غداً نتناول الفطور معاً
أنا لا أفطر يا سلمى
تجلس معي وأنا أتناول فطوري، واستدركت، بدون تدخين.
جرى هذا الحوار في تونس قبل ثلاثين سنة في فندق نسيت اسمه، كانت مستغرقة في مشروعها العالمي المدهش حول "الموريسك"، وكانت ترغب في الحديث عنه، بدا لي أنها ترتب أفكاراً حول المشروع، أو أنها تبدل في فهرسة الأسماء، وأنني في جلوسي أمامها وهي تتناول فطوراً بسيطاً بتمهل، ذريعة صامتة ممنوعة من التدخين.
لا تستطيع إلا أن تحب سلمى الخضراء وقد عرفتها، أن تحبّ حضورها الشخصي البسيط وعفويتها الخاصة الآمرة، بعيداً عن منجزها الثقافي المذهل.
أعيد هنا تلك المقالة المنشورة في الأيام في 12 شباط 2007، كما ظهرت في ذلك اليوم:
في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي قدّمت الشاعرة سلمى الخضراء الجيوسي في سياق مشروع "بروتا" حزمة من الأسماء الفلسطينية الشابة في حقلَي القصة والشعر، عبر قراءة جديدة ومختلفة للمشهد الثقافي الفلسطيني.
كان ذلك جيلنا نحن الذين باشرنا الكتابة في الثمانينيات أو قبلها بقليل في مناطق متعددة من العالم.
قوة الاختيار تلك وشجاعتها كانت تكمن في زاويتين أساسيتين: رهان سلمى على الجيل الجديد من المبدعين الفلسطينيين، وقدرتها الاستثنائية على قراءة الاتجاهات الجديدة في الكتابة الفلسطينية، تلك التي ظهرت في مقدمتها اللافتة لأنطولوجيا الأدب الفلسطيني، وعبر اللقاءات والحوارات والقراءات التي أجرتها لاحقاً من جهة، ومن خلال محاولتها لجمع هذا الجيل في تنوعه الإبداعي والجغرافي، سواء في الوطن أو المنفى العربي أو المهجر.
ولعل "الفهرس" الذي حملته تلك الأنطولوجيا هو الأول، إن لم يكن الوحيد الذي جمع أسماء مثل: نعومي شهاب، ووليد الخزندار، وأكرم هنية، ومريد البرغوثي، ومحمد القيسي، وفدوى طوقان، ونتالي حنظل، ومحمود شقير .. في عمل واحد، وفي سياق يبعث على الثقة ويمنح المشهد أبعاداً حقيقية ومترامية.
فيما بعد ستقدم سلمى للقارئ باللغة الإنكليزية سلسلة من المراجع العربية المهمة، وعدداً من الترجمات والدراسات والأبحاث التي يصعب حصرها هنا، وآخرها ترجمة كتاب الزميل فاروق وادي "منازل القلب" الذي صدر مؤخراً عن "بروتا".
تواصل سلمى الخضراء الجيوسي، الشاعرة والباحثة والبروفيسورة الفلسطينية جهدها اللافت في إنجاز قائمة أحلامها ومشاريعها الطويلة بهمّة مقاتل عنيد، عناد يصعب فهمه، ولكنه يفي بغرض الحب والتقدير، والشعور بالامتنان الذي ينتابني كلما وصلني خبر صغير عن منجز لها هنا أو هناك أو تكريم يجري لها هناك دائماً وهي التي لم نستطع، حتى الآن، أن نقدم لها ما يليق بها من التكريم في بلادها.