المقاومة فعل مثقف.. والثقافة فعل مقاوم

2023-05-20 01:34:19

إن ثقافة المجتمع الذي يرزح تحت الاحتلال تشق طريقها وفعلها من المقاومة، التي تجعل للثقافة معنى وحضور دائم ليس على المستوى المحلي فحسب، إنما على المستوى الدولي أيضا، وتبدو محاولات خلق ثقافة بديلة كما يحلو للبعض مثل الطير الذي يغرد خارج السرب، ما يُفقِد هذه الثقافة جمهورها؛ فالمثقف المنخرط في الهموم العامة أو المشتبك بحسب تعبير "غرامشي" هو الذي يعطي البعد الكبير للثقافة وللجمهور الذي ينتمي لها.

إن ما سبق خلق نموذج عسان كنفاني وماجد أبو شرار وكمال ناصر ومعين بسيسو وغيرهم من الذين أعطوا  الكتابة شرف الدم ومنحوها ديمومة التداول؛ ولا نبالغ إذا قلنا أن هذه المؤلفات تعاد طباعتها سنويا لقرائتها، ما يمنحها دفعة إضافية أيضاً من التجدد، والحال نفسه ينطبق على أغلب الأدباء الذين عاشوا في تلك الفترة، وحققت إنتاجاتهم الأدبية والفكرية ارتداد واسع لدى الأجيال القادمة. إن فترة الثورة تعود بالأديب المبدع في إعادة قراءة كتبه مرة أخرى، إذ عاد الناس في الانتفاضة الكبرى (انتفاضة العام 1987) إلى بث الروح في الأدب المقاوم، وفي الانتفاضة الثانية أيضا وفي كل مرحلة ثورية.

وهنا يطرح السؤال المهم؛ ما الأسبق؟ المقاومة؟ أم ثقافة المقاومة؟

إنه سؤال جدلي لكن في كل الأحوال؛ فإن المثقف هو الذي يبشر في التغيير وهو الذي يؤمن بحتميته، لكن في هذا البعد بالتحديد فان الثقافة تتجلى أكثر والإبداع ينبلج أكثر، حينما تصدق رؤية المثقف برفض المجتمع للاحتلال والتعبير عنه بالمقاومة، ما يخلق ثقافة إبداع واسعة تحلق في فضاء هذا التغيير، وتمنح المصداقية للثقافة والأدب التي تنتشر كالنار في الهشيم ويصعب إيقافها، وتعتبر وقود الاندفاع في استمرار الثورة التي بدورها تشكل اندفاع معاكس في  إبداع المثقف، وبذلك فإن كلا الأمرين يغذي أحدهما الاخر.

إن الدور الملقى على كاهل المثقف بهذا الخصوص، بمثابة انبعاث النور وقت الظلام، واليقظة بين النيام، وهو على رأي الشاعر الكبير محمود درويش "الغزال الذي يبشر بزلزال"، فإذا ما بدأ هذا الزلزال يتحرك سيكون  انبعاث جديد في كل شيء، وطاقة من طاقات الإبداع التي توازي الثورة، ما يعني أن تطور الثورة سيحدث بُداً تطوراً للثقافة وإبداع المثقفين، وهذا ربما ما دفع قادة الحزب الشيوعي السوفيتي في حربهم ضد النازية، بأن يضعوا مع كل جبهة مثقفا يعمل على تعبئة الثوار داخليا؛ حتى تظل روح الحماس والنضال متقدة لديهم.

يجوز لنا هنا أن نسترشد بوصية " عدي التميمي " ورسالته التي خاطب بها ملايين الفلسطينيين وتعبر عن مضمون ثقافي رفيع وعالي، وكتبها قبل وبعد تنفيذ" عمليتين بطوليتين " يقول وكأنه يستشعر نجاح العملية التي كتب هذه الكلمات قبلها:" نفذتها وأنا واضعا هدفا أساسيا أمامي بأن ثمرة العملية ستجعل مئات الشباب يحملون البندقية من بعدي " إنه يعلم أن نضاله نقطة في بحر هذا النضال الهادر، والمتمعن للكلمات يلاحظ إنها كلمات لا تصدر إلا عن مثقف وفي يعي أهمية التعبئة بدمه وكلماته جنباً إلى جنب؛ فلن تكون كلماته مؤثرة دون هذا العمل والعكس صحيح، ما يدلل مرة أخرى على توزاي الفعل الثقافي مع المقاومة.

ملاحظة :- أنا حاليا أفتش عن كتب المفكر والمثقف والمناضل الكبير وليد دقة الذي أمضى أزيد عن 37 عاماً في سجون الاحتلال، وهو مريض بالسرطان في حالة توصف بأنها خطيرة، ويحسب له تجسيد ثقافة المقاومة، فقد كان مقاوماً باليد قبل اعتقاله، وبعد اعتقاله شكل فكره فعل مقاوم وثقافة مقاومة.